عقب الإعلان عن وفاة مرشد الثورة الإسلامية الإيرانية، السيد علي خامنئي، برزت إلى السطح انقسامات حادة في وجهات النظر العربية والإسلامية. هذا التباين يعكس طبيعة الشخصيات ذات الأدوار المركبة التي تجمع في مسيرتها بين مواقف تثير المديح وأخرى تستوجب الذم، مما يجعل رحيلها مادة دسمة للجدل.
امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بأسئلة وجودية وفقهية حول طبيعة الموقف من الراحل، حيث تراوحت الآراء بين الترحم والشماتة. وتساءل الكثيرون عن تصنيف الشخصية بين 'الشهادة' أو غيرها، وهي تساؤلات تكررت تاريخياً مع شخصيات مثل صدام حسين وجمال عبد الناصر وحسن نصر الله.
إن هذا النوع من الجدل يغفل حقيقة أن إطلاق ألقاب مثل 'الشهيد' أو 'الملعون' لا يتعدى كونه دعاءً فردياً لا يملك صاحبه صكوك الغفران أو العقاب. فالحساب والعقاب في المنظور الديني هما اختصاص إلهي بحت، ولا ينبغي أن تتحول هذه القناعات الشخصية إلى معارك اجتماعية طاحنة.
المشكلة الأعمق تكمن في تحول هذه النقاشات إلى عصبيات مذهبية وسياسية تعيق الشعوب عن رؤية الحقائق الاستراتيجية الكبرى. فالوقوف عند أطلال الماضي وخلافاته يمنع الأمة من التحرك بفعالية أمام التحديات الراهنة التي تهدد وجودها واستقرارها.
تبرز اليوم مخاوف حقيقية من أن يؤدي الانشغال بالموقف من شخصية خامنئي إلى غياب البوصلة تجاه التهديدات العسكرية التي تواجه المنطقة. إن محاولة حصر الموقف مما يجري في إطار تصفية الحسابات مع النظام الإيراني قد تغفل الأهداف الأوسع للقوى الدولية في تدمير مقدرات الدول.
لا يمكن لعاقل أن يتجاهل المظالم التي وقعت في دول مثل سوريا، لكن النظرة المصلحية البحتة تتطلب تفكيراً يتجاوز العاطفة اللحظية. فإزالة الأنظمة أو إضعافها في سياق حروب دولية قد لا يصب بالضرورة في مصلحة الشعوب الثائرة أو الباحثة عن الاستقرار.
إن القبول الدولي ببعض الأنظمة في المرحلة السابقة كان مرتبطاً بتوازنات القوى ووجود فزاعة إيرانية، وزوال هذا الطرف قد يغير قواعد اللعبة بشكل لا يخدم القضايا العربية. لذا، فإن المطلوب هو قراءة المشهد من زاوية المصالح والمفاسد الاستراتيجية بعيداً عن الانتشاء اللحظي بخصوم الأمس.
إن المعركة الآن لا تكمن في تقييم النظام الإيراني بقدر ما تكمن في إدراك ما سينتج عن الحروب التي تستهدف تدمير الدول والشعوب.
خرج بعض الغلاة للنبش في العقائد وتصنيف المعركة على أنها صراع بين إيمان وكفر، وهو تسطيح مخل لواقع التحالفات السياسية المعقدة. فالتاريخ الإسلامي والسيرة النبوية يزخران بنماذج لتحالفات بنيت على المصالح المشتركة ودرء المفاسد، وليس على التطابق العقدي.
القرآن الكريم في سورة الروم قدم نموذجاً للانحياز السياسي القائم على توازن القوى العالمي في ذلك الوقت، رغم الاختلاف العقدي الجذري مع الروم. هذا الدرس القرآني يؤكد أن السياقات السياسية تتطلب لغة واصطفافات تختلف عن سياقات الوعظ أو التقرير العقدي.
يبدو أن العقل الجمعي العربي يعاني من ضعف الذاكرة السياسية، حيث تتكرر نفس الأخطاء في كل منعطف تاريخي تمر به المنطقة. إن العجز عن التمييز بين المواقف الثابتة والمتغيرة يجعل الأمة في حالة دوران مستمر حول قضايا استُهلكت بحثاً وتنظيراً.
الأمر الأكثر خطورة هو تسلل هذا الاضطراب في الرؤية إلى النخب والمؤسسات الدينية التي يُفترض بها أن تكون أكثر اتزاناً. فالمتابع للبيانات الصادرة عن بعض الهيئات يجد تناقضاً صارخاً وسطحية في معالجة الأحداث الكبرى، مما يفقدها مصداقيتها أمام الجماهير.
نحن بحاجة ماسة إلى جهد بحثي منصف ومحايد يقوم بتحليل الخطاب الديني والسياسي المعاصر، لرصد مواطن الخلل والاضطراب. إن مراجعة المنصات العلمية والشعبية لمواقفها باتت ضرورة ملحة لتشكيل وعي جمعي قادر على مواجهة تحديات المستقبل.
في نهاية المطاف، يرحل الأشخاص وتبقى المواقف مسجلة في صفحات التاريخ، لكن الشعوب الحية هي التي لا ترهن مستقبلها لصراعات الموتى. إن التفكير بعقل وروية هو السبيل الوحيد للنجاة من فخاخ الاستقطاب التي تنصب للمنطقة في كل مرحلة انتقال سياسي.
إن المعركة الحقيقية ليست في من نترحم عليه أو من نشمت به، بل في كيفية الحفاظ على ما تبقى من كيانات وطنية في وجه مشاريع التفتيت. الوعي باللحظة التاريخية يتطلب تجاوز الخلافات المذهبية الضيقة نحو أفق أرحب يحقق مصالح الأمة العليا.





שתף את דעתך
رحيل خامنئي: بين الانقسام الشعبي وتحديات المصير الإقليمي