شهدت الساعات الماضية تحولاً جذرياً في مسار الشرق الأوسط، حيث انتقلت المواجهة بين واشنطن وطهران من حروب الظل والوكالة إلى الصدام العسكري المباشر والشامل. وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بدء عملية عسكرية واسعة استهدفت البنية التحتية الصاروخية والبحرية الإيرانية، مؤكداً اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في ضربة وصفتها طهران بالاعتداء الخطير الذي لن يمر دون عقاب.
هذا الانفجار العسكري لم يكن وليد الصدفة، بل جاء تتويجاً لسبعة عقود من التذبذب الحاد في العلاقات التي ولدت في أروقة الاستخبارات المركزية الأمريكية وقصور طهران. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، لم تعرف هذه العلاقة منطقة رمادية، بل تراوحت دائماً بين تحالف إستراتيجي وثيق في عهد الشاه، أو عداء أيديولوجي مستعر عقب الثورة الإسلامية.
تعود جذور الصراع إلى عام 1953، عندما أذنت واشنطن لوكالة المخابرات المركزية بالإطاحة برئيس الوزراء المنتخب ديمقراطياً محمد مصدق بعد سعيه لتأميم النفط. هذا التدخل أعاد الشاه محمد رضا بهلوي إلى السلطة، ليفتح الباب أمام عقود من مقايضة السلاح الأمريكي بالنفط الإيراني، وتحويل إيران إلى حليف إستراتيجي في مواجهة الاتحاد السوفيتي.
نقطة التحول الكبرى حدثت عام 1979 مع اندلاع الثورة الإسلامية وسقوط نظام الشاه، حيث تحولت السفارة الأمريكية في طهران إلى ساحة لأزمة رهائن استمرت 444 يوماً. هذه الحادثة قطعت الخيوط الدبلوماسية تماماً، ودفعت إدارة جيمي كارتر لفرض عقوبات اقتصادية قاسية، وصمت ملامح العداء التي استمرت لعقود تالية.
في الثمانينيات، تدهورت العلاقات بشكل حاد مع اتهام واشنطن لطهران برعاية الإرهاب، خاصة بعد تفجير قاعدة المارينز في بيروت عام 1983. وبلغ التوتر ذروته في الخليج العربي عام 1988 خلال عملية 'فرس النبي' العسكرية، وإسقاط القوات الأمريكية لطائرة ركاب إيرانية مدنية راح ضحيتها 290 شخصاً، فيما وصفته واشنطن حينها بأنه 'خطأ'.
مع مطلع الألفية الجديدة، أدرج الرئيس جورج دبليو بوش إيران ضمن ما أسماه 'محور الشر' في عام 2002، متهماً إياها بالسعي لامتلاك أسلحة دمار شامل. هذا التصنيف جاء بالتزامن مع الكشف عن البرنامج النووي الإيراني، الذي أصبح منذ ذلك الحين المحرك الأساسي للتوترات الدولية والضغوط الاقتصادية المتصاعدة على طهران.
رغم الانفراجة المؤقتة التي حققها الاتفاق النووي عام 2015 في عهد باراك أوباما، إلا أن الانسحاب الأمريكي الأحادي في عهد دونالد ترمب عام 2018 أعاد الصراع إلى المربع الأول. وأدت سياسة 'الضغوط القصوى' إلى سلسلة من المواجهات في مياه الخليج، واغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في غارة جوية ببغداد مطلع عام 2020.
القصف المكثف والدقيق سيستمر دون انقطاع طيلة الأسبوع، أو طالما كان ذلك ضروريًا لتحقيق هدفنا المتمثل في إحلال السلام.
دخل الصراع مرحلة جديدة من التصعيد العلني عقب عملية 'طوفان الأقصى' في أكتوبر 2023، حيث خرجت المواجهة الإيرانية الإسرائيلية من الظل. وشهد عام 2024 تبادلاً مباشراً للضربات الصاروخية بين طهران وتل أبيب لأول مرة، مما كسر قواعد الاشتباك التقليدية ومهد الطريق للمواجهة الشاملة التي نعيشها اليوم.
في عام 2025، نفذت القوات الأمريكية والإسرائيلية عملية 'مطرقة منتصف الليل' التي استهدفت منشآت نووية إيرانية، مما أدى إلى توقف كامل للمسارات الدبلوماسية. وردت طهران حينها بأن الحوار مع واشنطن أصبح 'لا معنى له'، خاصة مع إعادة تفعيل 'آلية الزناد' الدولية وفرض عقوبات شاملة من قبل القوى الأوروبية.
فشلت ثلاث جولات من المفاوضات المكثفة في مسقط وجنيف وروما مطلع عام 2026 في احتواء الموقف، رغم الوساطات العمانية المتكررة. وأكدت مصادر دبلوماسية أن الفجوة بين مطالب واشنطن بتفكيك البرنامج الصاروخي والنووي وبين إصرار طهران على سيادتها كانت غير قابلة للتجسير، مما جعل الخيار العسكري هو المرجح.
العدوان الحالي الذي بدأ في 28 فبراير 2026، جاء كترجمة فعلية لتهديدات البيت الأبيض بإنهاء التهديد الإيراني بشكل نهائي. وطالت الضربات الجوية المكثفة مواقع حيوية في قلب العاصمة طهران وعدة مدن أخرى، في محاولة أمريكية إسرائيلية مشتركة لتدمير القدرات العسكرية الإيرانية وشل حركتها البحرية في المنطقة.
إعلان اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي يمثل الذروة في هذا الصراع التاريخي، وهو حدث سيغير وجه المنطقة لسنوات طويلة قادمة. وأكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الدولة الإيرانية 'موحدة قلبًا وقالبًا' في مواجهة هذا المنعطف، مشدداً على أن الرد سيكون بحجم الجريمة التي استهدفت رمز الدولة الأول.
من جانبه، توعد الحرس الثوري الإيراني بشن 'هجوم عنيف' يستهدف القواعد الأمريكية المنتشرة في دول الخليج والعمق الإسرائيلي. وأفادت مصادر بأن رشقات صاروخية انطلقت بالفعل باتجاه أهداف إستراتيجية، مما يضع المنطقة بأكملها على فوهة بركان في حرب قد لا تعرف حدوداً جغرافية واضحة.
بينما تصر واشنطن على أن هدفها هو 'إحلال السلام' عبر القوة العسكرية، يرى مراقبون أن المنطقة انزلقت إلى نفق مظلم من الصراع المفتوح. ومع استمرار القصف المكثف، يبقى التساؤل حول قدرة النظام الدولي على احتواء هذه الحرب، أو ما إذا كانت ستتحول إلى صراع عالمي يشارك فيه حلفاء الطرفين.





שתף את דעתך
من التحالف إلى الصدام المباشر: سبعة عقود ترسم ملامح الحرب الكبرى بين واشنطن وطهران