يختبر مسلسل «صحاب الأرض» للمخرج بيتر ميمي حدود الفن في مواجهة المأساة، غير مكتفٍ بكونه تجربة فنية فقط، لكنه وضعنا أمام سؤال جوهري، ماذا يعني أن نشاهد عملا فنيا عن مأساة ما زالت حاضرة في الذاكرة والواقع ولم تتحول بعد إلى ماضٍ يمكن تأويله؟ كيف يواجه الفن حدثا لم يبرد في الوعي الجمعي ويعيد صياغة ألم يعيشه الناس كل يوم؟
وبحق فقد استطاع المخرج أن يحول الأداء التمثيلي الى أداة كشف لا مجرد تمثيل. فالفنانة منة شلبي تقدم في دور الدكتورة سلمى وجها يتحول إلى مرآة للصدمة والذهول، بينما تستعيد لغة الجسد داخل المستشفى إيقاعها المتوتر لتجعل من كل حركة وكل صمت شهادة على قلق لا يجد مستقرا. وفي المقابل يمنح الفنان إياد نصار الشخصية توترا مشحونا بالدفء والسخرية، ليؤكدا ما أشار إليه ستانسلافسكي من أن الفعل الصادق ينبع من نفس حية تقود الحركة لا العكس.
هذا التوازن بين الوجه والجسد والصوت لا يحيي الشخصيات فحسب، لكنه يفتح للمشاهد مساحة يتأمل فيها معنى الفن... الفن حين يصبح مواجهة مباشرة مع ذاكرة حية وخراب قائم. وليس مرآة صامتة للوقائع، أو شاشة أخرى تعيد بث المأساة كما حدثت، أو صورا أخرى تضاف إلى أرشيف مزدحم، لكنه شكل فضاء يعاد فيه تشكيل الألم ليغدو سؤالا عن الحق وعن الأرض وعن العدالة، وعن الإنسان حين يحاصر في قلب الجريمة، كاشفا البنية التي جعلت الظلم ممكنا، ويضعنا وجها لوجه أمام تاريخ لم ينته بعد وأمام أسئلة طال تأجيلها.
قد يرى البعض أن أهل غزة ليسوا بحاجة إلى من يروي لهم ما عاشوه، فحياتهم امتداد مباشر للحدث، وذاكرتهم مشبعة بالألم في الانتظار والصمت والمسافة بين انفجار وآخر. كما أن الامتناع عن المشاهدة قد يكون فعل حماية للنفس لا رفضا للفن، ومحاولة للإبقاء على مسافة بين الحياة وكارثة لم تستقر بعد في الماضي. أما من تابع المأساة من خارجها فقد رأى الصور وحفظ الأرقام وسمع الشهادات، لكنه تلقى الحدث دون عمقه، والوقائع دون معناها، فالأخبار تلتقط اللحظة وتمضي، وسرعان ما يتحول الحدث إلى مادة قابلة للاستهلاك. أما الحقيقة فتحتاج إلى بطء يتيح الفهم، إلى مساحة يتحول فيها الألم من صدمة عابرة إلى وعي نقدي بالبنية التي تنتج الكارثة وتسمح باستمرارها.
ولذلك كان لا بد للفن أن يتقدم لا بوصفه منافسا للخبر وإنما مقاومة للنسيان، حيث ينزع الحدث من عابريته ويثبته في الوعي، ولا يسأل ماذا جرى فقط، بل ماذا يعني أن نعيش بعده، وكيف يتشقق الداخل، ويتبدل معنى المدينة والأرض في الوجدان.
وعلى الرغم من امتداد السنوات فإن غسان كنفاني يقدم مثالا حيا لهذا المسار. فلم يكن اللاجئون بحاجة إلى من يخبرهم أنهم لاجئون، لقد كانوا يعيشون الكارثة كل يوم، لكنه حول التجربة إلى سؤال أخلاقي وتاريخي كشف الطبقات والبنية الاجتماعية والسياسية التي تصنع الموت، فلم يرو الحدث فقط بل عاشه في خوفه وانتظاره وصمت الشوارع، وحول الألم الفردي إلى وعي جمعي يربط الإنسان بسياقه التاريخي والاجتماعي، قصص غسان كنفاني لم تضف معلومة بل أضافت معنى، ومنحت القارئ قدرة على رؤية ما وراء الصورة.
أما التعب في مشاهدة الحدث مرة أخرى لا يأتي من الحقيقة بل من تكرارها بلا أفق، فالتواتر يصنع اعتيادا على القسوة، بينما الفن الصادق يكسر هذا الاعتياد، يبطئ النظر ويعيد للإحساس حدته، كما ان السؤال ليس لماذا ننتج عملا بعد المجزرة،
ولكن ماذا يفعل الفن بما عجز الخبر عن فعله، الخبر يقول حدثت مجزرة، أما الفن فيمنح الإنسان موقعا أخلاقيا داخل الخراب، ينقله من متفرج مشبع بالصور إلى ذات تسأل وتفكر وتقاوم، وهنا تتجسد مقولة عبقري القصة القصيرة يوسف إدريس في تقديمه لأعمال غسان كنفاني حين قال " لأ أخلد من الشعب إلا الشعب ذاته حين يتحول الى لوحات وموسيقى وفن". فالفن ليس ترفا بعد الكارثة بل هو الشكل الذي يحفظ الوجود من الذوبان في التكرار ويحمي الذاكرة من التحول إلى أرشيف صامت.
بهذا المعنى يصبح الفن ممارسة وعي جماعي، أداة تحليل في مواجهة تاريخ غير عادل، يربط الفرد بالذاكرة وبالمجتمع وبالزمن، ويذكره أن الحكاية ليست مأساة عابرة يمكن تمريرها أو نسيانها، لكنها تجربة تعيد تعريف معنى الوجود، وتبقي السؤال مفتوحا عما يبقى من إنسانية، وما يمكن استعادته من الأرض وإلى العدالة.





שתף את דעתך
سؤال الفن ما بعد المجزرة .. حين يصبح الشعب فناً ويتحول المتفرج إلى شاهد أخلاقي