تتصدر العاصمة السويسرية جنيف المشهد السياسي الدولي مع انطلاق جولة جديدة من المفاوضات النووية، حيث تسعى إيران لترسيخ موقفها المتمسك بالسيادة الوطنية. وتؤكد طهران أن النقاش ينحصر حصرياً في الملف النووي، رافضة أي محاولات دولية لتوسيع أجندة الحوار لتشمل قضايا إقليمية أو عسكرية أخرى.
وفي هذا السياق، أوضحت مصادر دبلوماسية إيرانية أن المقترحات المتعلقة برفع العقوبات الاقتصادية تتسم بالجدية، لكنها تقابل بحذر شديد تجاه الوعود الأمريكية. ويرى المسؤولون في طهران أن الخطاب المتناقض الصادر عن واشنطن يساهم في تقويض الثقة المتبادلة ويضع عراقيل أمام تحقيق تقدم ملموس في المسار الدبلوماسي.
من جانبه، شدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على استبعاد الخيار العسكري من طاولة الحلول، مذكراً بفشل المحاولات السابقة في هذا الإطار. وأكد عراقجي أن الحوار هو السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة، داعياً كافة الأطراف إلى تجنب التصريحات الاستفزازية التي قد تؤدي إلى تصعيد التوتر وعرقلة الجهود الدبلوماسية الجارية.
على المقلب الآخر، تتبنى الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترمب استراتيجية 'الضغط العالي'، التي تمزج بين تقديم حوافز اقتصادية محدودة وفرض شروط قاسية. وتهدف هذه المقاربة إلى ضمان الأمن العالمي من وجهة النظر الأمريكية، عبر المطالبة بتفكيك شامل للبنية التحتية النووية الإيرانية ووقف عمليات التخصيب نهائياً.
وتشير تسريبات من أروقة المفاوضات إلى أن واشنطن عرضت تخفيفاً جزئياً للعقوبات، مقابل تنازلات إيرانية جوهرية تمس صلب البرنامج النووي. ويبدو أن هذا التوجه يعكس رغبة إدارة ترمب في إعادة هندسة القدرات الإيرانية بالكامل، بدلاً من الوصول إلى حلول وسطى ترضي الطرفين.
وتتزامن هذه التحركات الدبلوماسية مع تصاعد الحشد العسكري في المنطقة، مما يثير تساؤلات حول حقيقة النوايا الأمريكية وما إذا كانت جنيف منصة للحل أم ساحة لاختبار القوة. وتتبنى واشنطن معادلة تقوم على التفاوض بيد والضغط على الزناد باليد الأخرى، مما يجعل الصراع مفتوحاً على كافة الاحتمالات.
وفي قراءة للموقف الأمريكي، أشار ستيف جيل، المستشار السابق في البيت الأبيض، إلى أن استمرار المفاوضات يفتح باباً للحل الدبلوماسي رغم التوترات. وأوضح جيل أن تحريك حاملات الطائرات والأصول العسكرية يهدف لإيصال رسالة حازمة لطهران حول جدية الإدارة الأمريكية في منع تطوير أسلحة نووية.
لا سبيل لحل القضية النووية سوى التوصل إلى اتفاق عبر الحوار والمفاوضات، ويجب الامتناع عن أي أفعال تصعد التوتر.
وأضاف جيل أن هناك مخاوف إقليمية واسعة من طموحات إيران النووية، معتبراً أن امتلاك طهران لمثل هذه الأسلحة سيهدد أمن المنطقة بأسرها وليس فقط المصالح الأمريكية. ويرى أن انخراط إيران في المباحثات لا يعني بالضرورة تخليها عن أهدافها الاستراتيجية طويلة المدى في المجال النووي.
من جهته، اعتبر الباحث السياسي خالد بطرفي أن الفجوة بين الطرفين لا تزال واسعة جداً نظراً لاختلاف الأجندات المطروحة. وأوضح بطرفي أن واشنطن تسعى لحل شامل يدمج الملف النووي مع برنامج الصواريخ البالستية ودور الميليشيات الموالية لإيران في المنطقة، وهو ما ترفضه طهران جملة وتفصيلاً.
وأشار بطرفي إلى أن إيران استثمرت عقوداً طويلة في بناء قدراتها العسكرية والنووية، مما يجعل من الصعب عليها تقديم تنازلات جوهرية في هذه الملفات. ورغم عرض طهران فتح أسواقها أمام الشركات الأمريكية، إلا أن هذا العرض قد لا يكون كافياً لإقناع صانع القرار في واشنطن بتغيير استراتيجيته.
وفي المقابل، أكد حميد رضا دهقاني، السفير الإيراني السابق أن الوفد المفاوض في جنيف يمتلك كامل الصلاحيات للتوصل إلى تفاهمات في الملف النووي. وشدد دهقاني على أن بلاده لا تسعى لإنتاج أسلحة دمار شامل، وهو ما يتقاطع ظاهرياً مع المطالب المعلنة للولايات المتحدة والمجتمع الدولي.
ويرى دهقاني أن الوصول إلى اتفاق يتطلب تنازلات متبادلة وشجاعة سياسية من الطرفين لتجاوز عقبات الماضي. وأوضح أن طهران مستعدة لتقديم ضمانات وتطمينات كافية للجانب الأمريكي تثبت سلمية برنامجها، شريطة الحصول على ضمانات مقابلة برفع العقوبات وضمان الاستقرار الاقتصادي.
تبقى مفاوضات جنيف محطة مفصلية في تاريخ الصراع الإيراني الأمريكي، حيث تتأرجح المنطقة بين آمال الانفراج الدبلوماسي ومخاوف الانفجار العسكري. ومع استمرار تمسك كل طرف بمواقفه الأساسية، يظل الترقب سيد الموقف لما ستسفر عنه الأيام القادمة من نتائج قد تعيد رسم خارطة التحالفات في الشرق الأوسط.





שתף את דעתך
مفاوضات جنيف النووية: دبلوماسية حذرة تحت وطأة التحشيد العسكري الأمريكي