أصدر القضاء التونسي قراراً يقضي برفض الدعوى القضائية التي رفعها مجموعة من الناشطين البيئيين، والتي طالبت بوقف فوري ومؤقت لنشاط وحدات الإنتاج التابعة للمجمع الكيميائي الحكومي في محافظة قابس. وجاء هذا التحرك القانوني في أعقاب موجة من الاحتجاجات الشعبية التي نددت بانبعاث غازات سامة أدت إلى تسجيل حالات اختناق بين السكان المحليين.
وأوضح المحامي منير العدوني أن المحكمة استندت في حكمها إلى ما وصفته بـ 'عدم ثبوت الضرر'، مشيرة إلى أن الاتهامات الموجهة للمجمع بالتسبب في التلوث تفتقر إلى السند الفني والبرهان العلمي الدقيق. ويعد هذا الحكم صدمة للمنظمات الحقوقية التي كانت تأمل في انتزاع قرار قضائي يحد من التدهور البيئي في المنطقة.
وبحسب الفريق القانوني المتابع للقضية، فإن المعركة القضائية لم تنتهِ بعد، حيث توجد دعوى ثانية جارية تتعلق بالمطالبة بتفكيك الوحدات الصناعية الملوثة بشكل نهائي. ومع ذلك، لم تحدد الدوائر القضائية حتى الآن موعداً للنظر في هذه القضية التي تمس جوهر الوجود الصناعي للمجمع في المنطقة الساحلية.
ويعود تاريخ إنشاء المجمع الكيميائي التونسي إلى عام 1972، حيث شُيد على شاطئ مدينة قابس ليكون ركيزة اقتصادية، إلا أنه تحول بمرور العقود إلى مصدر قلق دائم للسكان. وتتهم المنظمات البيئية المجمع بالتسبب في كارثة بيئية مزدوجة تطال الهواء والبحر على حد سواء، مما أثر بشكل مباشر على التنوع الحيوي والصحة العامة.
وكانت الحكومات التونسية المتعاقبة قد قدمت وعوداً متكررة منذ عام 2017 بوقف نشاط الوحدات الملوثة والبدء في عملية تفكيكها ونقلها بعيداً عن المناطق السكنية. ورغم تلك التعهدات الرسمية، لم تشهد أرض الواقع أي خطوات تنفيذية ملموسة، مما عزز حالة الاحتقان الشعبي وفقدان الثقة في الوعود الحكومية.
اعتبرت المحكمة أن هناك عدم ثبوت ضررًا، وصرّحت بأنّ مزاعم التلوث غير مبررة وتفتقر إلى الأدلة الفنية والعلمية.
ويعتمد المجمع في نشاطه الأساسي على تحويل مادة الفوسفات إلى أسمدة كيميائية معدة للتصدير والاستهلاك المحلي، وهي عملية تنتج مخلفات صلبة تُعرف بـ 'الفوسفوجيبس'. وتقوم الوحدات الصناعية بإلقاء هذه المخلفات التي تحتوي على معادن ثقيلة في مياه البحر وعلى الشواطئ القريبة، مما أدى إلى تدمير مساحات واسعة من السواحل.
من جانبه، تدخل الرئيس التونسي قيس سعيد في الأزمة عبر تكليف فريق عمل متخصص للبحث عن حلول عاجلة وآنية، بالتوازي مع وضع استراتيجيات طويلة الأمد لإنهاء أزمة التلوث في قابس. وتوازن السلطات في مقاربتها بين الحفاظ على الثروة الطبيعية للفوسفات التي تعد عماد الاقتصاد الوطني، وبين المطالب البيئية الملحة.
وتسعى الدولة التونسية ضمن خططها الاقتصادية إلى رفع وتيرة إنتاج الأسمدة في منشآت قابس لتصل إلى نحو 14 مليون طن سنوياً بحلول عام 2030. هذا الطموح الاقتصادي يثير مخاوف مضاعفة لدى الناشطين من تفاقم الأعباء البيئية على المنطقة في ظل غياب تقنيات حديثة لمعالجة النفايات الصناعية.
وكانت محافظة قابس قد شهدت في أكتوبر الماضي تظاهرات ضخمة انخرط فيها عشرات الآلاف من المواطنين، تعبيراً عن غضبهم من تكرار حالات الاختناق في صفوف تلاميذ المدارس. ويؤكد الأهالي أن الانبعاثات الغازية الكثيفة أصبحت تهدد سلامة الأجيال القادمة، مطالبين ببدائل تنموية تحترم المعايير الصحية والبيئية الدولية.
وفي سياق متصل، أعلن البنك الإفريقي للتنمية في نهاية يناير الماضي عن تقديم تمويل بقيمة 110 ملايين دولار لدعم مشاريع البيئة وصيانة المجمع الكيميائي. ويهدف هذا التمويل إلى تحسين الأداء البيئي للمنشآت القائمة، في محاولة لتخفيف حدة التلوث بانتظار الحلول الجذرية التي تطالب بها الفعاليات المدنية في الجنوب التونسي.





שתף את דעתך
القضاء التونسي يرفض وقف نشاط المجمع الكيميائي في قابس بدعوى 'نقص الأدلة'