ג 24 פבר 2026 8:03 pm - שעון ירושלים

سجن باستوي النرويجي: فلسفة الإصلاح التي هزمت أسوار العقاب التقليدية

بعيداً عن الصورة النمطية للسجون التي ترتبط بالأسوار الشائكة والزنازين المظلمة، يبرز سجن باستوي في النرويج كنموذج استثنائي يكسر القواعد التقليدية للحبس. تقع هذه المنشأة على جزيرة طبيعية خلابة في خليج أوسلو، حيث يتم استبدال القسوة ببرامج تأهيلية تهدف إلى دمج النزلاء مجدداً في نسيج المجتمع.

تعتمد الفلسفة النرويجية في هذا السجن على مبدأ أن سلب الحرية هو العقوبة الكافية بذاتها، ولا داعي لإضافة معاناة جسدية أو نفسية أخرى. ومن هذا المنطلق، يتم التعامل مع النزلاء كأفراد يحتاجون للمساعدة في إعادة بناء حياتهم، وليس كمجرمين منبوذين يجب عزلهم عن العالم بأسوار حديدية.

تمتد مساحة الجزيرة على ميل مربع واحد، وتتميز بطبيعة ساحرة تضم غابات وشواطئ ومزارع واسعة، مما يمنحها طابع المحمية الطبيعية أكثر من كونها مركزاً للاحتجاز. يعيش في هذا المكان نحو 115 نزيلاً، يتشاركون الحياة مع طاقم عمل متخصص يسعى لتوفير بيئة إيجابية ومنتجة.

من المثير للاهتمام في هيكلية الإشراف داخل باستوي أنه بحلول عام 2023، لم يكن يتواجد على الجزيرة خلال ساعات الليل سوى خمسة موظفين فقط. هذا الرقم الضئيل يعكس حجم الثقة المتبادلة والانضباط الذاتي الذي يظهره النزلاء في ظل غياب الحراسة المسلحة والقيود المشددة.

يسكن النزلاء في منازل خشبية جماعية توفر لكل فرد غرفته الخاصة، مما يعزز لديهم الشعور بالخصوصية والكرامة الإنسانية. ولا تفرض إدارة السجن ارتداء زي رسمي موحد سواء على السجناء أو الحراس، في محاولة لتقليل الفوارق النفسية والحواجز الطبقية داخل المنشأة.

تتضمن الحياة اليومية في باستوي مسؤوليات حقيقية، حيث يُمنح كل سجين بدلاً شهرياً قدره 90 دولاراً مخصصاً لشراء الطعام وإعداده بنفسه. هذه الخطوة تهدف بشكل مباشر إلى تعزيز حس المسؤولية والاعتماد على الذات، وهي مهارات أساسية يحتاجها الفرد بعد انقضاء فترة محكوميته.

لا يتوقف الأمر عند المعيشة، بل يمتد ليشمل العمل والتدريب المهني، حيث يمارس السجناء مهناً متنوعة مثل الزراعة والنجارة وصيانة الدراجات الهوائية. ويتقاضى النزلاء أجراً يومياً رمزياً يبلغ 8 دولارات، مما يمنحهم شعوراً بالإنجاز والمساهمة في دورة العمل اليومية داخل الجزيرة.

تتوفر في الجزيرة مرافق ترفيهية ورياضية متكاملة، تشمل ملاعب للتنس وساونا وشواطئ مخصصة للاستجمام خلال فصل الصيف. هذه المرافق ليست مجرد رفاهية، بل هي جزء من استراتيجية شاملة للحفاظ على الصحة النفسية والبدنية للنزلاء وتفريغ الطاقات بشكل إيجابي.

يسمح السجن باستقبال الزوار عبر عبّارة تصل من مدينة هورتن ثلاث مرات أسبوعياً، مع إمكانية بقاء العائلات في شقق مخصصة خلال عطلة نهاية الأسبوع. هذا التواصل المستمر مع العالم الخارجي والأسرة يقلل من حدة العزلة الاجتماعية ويسهل عملية الانتقال لاحقاً إلى الحياة المدنية.

يرى آرنه كفيرنفيك نيلسن، المدير السابق للسجن أن النجاح الحقيقي يكمن في تحول الموظفين من حراس إلى مرشدين اجتماعيين. ويؤكد نيلسن أن المعاملة الإنسانية هي المفتاح لتغيير السلوك الإجرامي، حتى لدى أولئك الذين ارتكبوا جرائم خطيرة مثل القتل أو الاغتصاب.

تثبت الأرقام نجاعة هذا النموذج، حيث يسجل سجن باستوي أحد أدنى معدلات العودة إلى الجريمة في القارة الأوروبية بنسبة لا تتجاوز 16%. هذه النسبة تبدو ضئيلة جداً عند مقارنتها بالمتوسط الأوروبي العام الذي يصل إلى نحو 70% في السجون التقليدية.

إلى جانب الفوائد الاجتماعية، يشير نيلسن إلى أن باستوي يعد من أقل السجون تكلفة على خزينة الدولة في النرويج. فبدلاً من إنفاق مبالغ طائلة على أنظمة الأمن المعقدة، يتم توجيه الموارد نحو برامج التأهيل والعمل التي تعود بالنفع على المجتمع على المدى الطويل.

بالعودة إلى تاريخ الجزيرة، لم تكن دائماً واحة للإصلاح، بل شهدت ماضياً مظلماً عندما كانت مركزاً لاحتجاز الأحداث في أوائل القرن العشرين. ففي عام 1915، اندلع تمرد عنيف قاده 40 صبياً احتجاجاً على المعاملة القاسية، مما تطلب تدخل الجيش النرويجي حينها للسيطرة على الموقف.

تحولت الجزيرة إلى الإدارة الحكومية المباشرة في عام 1953 قبل إغلاق المركز القديم في عام 1970، لتبدأ مرحلة جديدة كلياً في عام 1982. ومنذ ذلك الحين، تطور السجن التجريبي ليصبح النموذج العالمي الحالي الذي يلهم الخبراء في مجال العدالة الجنائية حول العالم.

תגים

שתף את דעתך

سجن باستوي النرويجي: فلسفة الإصلاح التي هزمت أسوار العقاب التقليدية

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.