ג 24 פבר 2026 1:45 pm - שעון ירושלים

الدستورية تحت الاحتلال الممتد: هل يمكن تأسيس سيادة عبر النص؟

بقلم: براء سلمان

كاتب وباحث في العلوم السياسية.


في التجارب التاريخية المختلفة، لم يكن الدستور مجرد وثيقة قانونية تنظم عمل السلطات، بل كان دائمًا فعلًا تأسيسيًا بامتياز، يعبر عن لحظة سيادية تعيد فيها الجماعة السياسية تعريف نفسها وتحدد شكل الدولة التي تريد أن تعيش في ظلها. الدستور، بهذا المعنى، ليس فقط إطارًا للحكم، بل إعلانًا عن انتقال المجتمع من حالة السيولة أو النزاع أو الشرعية الثورية إلى حالة الاستقرار المؤسسي والشرعية الدستورية. إنه لحظة تقول فيها الأمة لنفسها وللعالم: هذه هي قواعدنا، وهذه هي دولتنا.

غير أن هذا التصور يفترض وجود شرط أساسي غالبًا ما يتم التغاضي عنه، وهو وجود حد أدنى من السيادة الفعلية. فالدستور، لكي يتحول من نص إلى واقع، يحتاج إلى سلطة سياسية قادرة على تطبيقه، وإلى إقليم يخضع لولايتها، وإلى نظام مؤسسي يحتكر أدوات القوة المشروعة. الديمقراطية نفسها، مهما كانت منقسمة اجتماعيًا أو سياسيًا، تفترض وجود وحدة سياسية قادرة على إعادة تأسيس ذاتها من الداخل. بدون ذلك، يتحول الدستور إلى إعلان طموح أكثر منه أداة حكم فعلي.

في الحالة الفلسطينية، تتعقد هذه المعادلة بشكل غير مسبوق. ففلسطين تمثل نموذجًا فريدًا يجمع بين عناصر الدولة قيد التكوين، والسلطة المقيدة باتفاقيات دولية، والانقسام السياسي الداخلي، والأهم من ذلك، استمرار الاحتلال العسكري الذي يفرض قيودًا جوهرية على المجال السياسي والإداري والجغرافي. في هذا السياق، لا يمكن قراءة مسودة الدستور الفلسطيني باعتبارها مجرد خطوة إجرائية في مسار بناء الدولة، بل يجب فهمها كمحاولة لتأسيس نظام دستوري في ظل غياب شروط السيادة الكاملة.

لقد اكتسبت هذه المحاولة بعدًا جديدًا بعد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012 منح فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو، وما تبع ذلك من انضمام فلسطين إلى عدد كبير من الاتفاقيات الدولية. هذا التحول لم يكن رمزيًا فقط، بل فتح المجال أمام إمكانية ترجمة الاعتراف القانوني الدولي إلى بنية دستورية داخلية تجسد مقومات الدولة الحديثة، مثل الفصل بين السلطات، وحماية الحقوق، وترسيخ سيادة القانون. ومن هنا، يمكن النظر إلى العملية الدستورية الفلسطينية بوصفها محاولة لتحويل الاعتراف الدولي إلى واقع مؤسسي.

لكن هذه اللحظة التأسيسية تصطدم بمفارقة عميقة. فالدستور يفترض وجود فضاء سيادي يمكن فيه تحويل النص إلى ممارسة، بينما الواقع الفلسطيني ما زال خاضعًا لبنية استعمارية ممتدة تتحكم في الإقليم، والمعابر، والموارد، وحتى في قدرة المؤسسات على العمل. وبهذا المعنى، يصبح الدستور مشروع سيادة داخل فضاء لم يتحرر بعد. إنه إعلان عن سلطة لم تكتمل شروطها، ومحاولة لتأسيس نظام قانوني في ظل واقع تهيمن عليه قوة خارجية تملك أدوات السيطرة الفعلية.

الأخطر من ذلك أن تأثير الاحتلال لا يقتصر على فرض قيود مادية، بل يمتد إلى تشكيل أفق الممكن السياسي نفسه. فصانع الدستور، مثل أي فاعل سياسي، يعمل ضمن حدود الواقع الذي يواجهه، ما قد يؤدي تدريجيًا إلى انتقال الدستور من كونه تعبيرًا خالصًا عن الإرادة السياسية الحرة إلى كونه نوعًا من التكيف مع موازين القوة القائمة. في هذه الحالة، يتحول الدستور من أداة تحرر إلى أداة إدارة واقع مفروض، ومن إعلان سيادة إلى انعكاس لحدودها.

مع ذلك، فإن هذه المفارقة لا تعني أن العملية الدستورية بلا قيمة، بل على العكس، قد تمثل إحدى أهم أدوات المقاومة القانونية والسياسية. فالدستور، حتى في ظل الاحتلال، يمكن أن يكون وسيلة لتثبيت فكرة الدولة في الوعي السياسي والقانوني، وإعلانًا مستمرًا عن السيادة التي لم تتحقق بعد، وإطارًا يحصن المشروع الوطني من خطر التحول إلى مجرد إدارة ذاتية دائمة تحت السيطرة الخارجية.

إن التحدي الحقيقي أمام الدستورية الفلسطينية لا يكمن فقط في صياغة نص قانوني متماسك، بل في الحفاظ على الطابع التحرري لهذا النص، بحيث يعبر عن السيادة كما يجب أن تكون، لا كما يسمح بها ميزان القوة القائم. فالدستور، في الحالة الفلسطينية، ليس مجرد وثيقة لتنظيم السلطة، بل هو أيضًا بيان سياسي وقانوني يؤكد أن السيادة ليست منحة تُمنح، بل حق يُعلن ويتمسك به حتى يتحول إلى واقع.

في نهاية المطاف، قد لا يكون الدستور قادرًا وحده على إنهاء الاحتلال، لكنه قادر على أداء وظيفة لا تقل أهمية: حماية فكرة الدولة من التآكل، وتثبيت حدودها القانونية في مواجهة محاولات إعادة تعريفها وفق منطق السيطرة. وبهذا المعنى، يصبح النص الدستوري أكثر من مجرد قانون، بل يصبح فعلًا سياديًا مستمرًا، يعلن وجود الدولة حتى قبل أن تكتمل شروطها على الأرض.

תגים

שתף את דעתך

الدستورية تحت الاحتلال الممتد: هل يمكن تأسيس سيادة عبر النص؟

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.