وجه رئيس حركة النهضة التونسية، راشد الغنوشي، رسالة من داخل محبسه إلى القواعد الشبابية للحركة، حملت في طياتها نبرة توجيهية تشبه الوصايا التاريخية. وتأتي هذه الرسالة في وقت حساس يمر به المسار السياسي في تونس، حيث سعى الغنوشي من خلالها إلى بث روح التحدي والصمود في صفوف أنصاره.
رغم الطابع التربوي والحماسي الذي هيمن على أسلوب الكتابة، إلا أن المراقبين استشعروا رغبة مؤسس الحركة في حماية التنظيم من التفكك أو التلاشي تحت وطأة الضغوط الحالية. فالرجل الذي يقف اليوم على عتبة العام الرابع والثمانين، يدرك تماماً حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه في رسم ملامح مستقبل الحزب الذي أسسه في مطلع السبعينات.
وتشير القراءة التحليلية للمشهد التونسي إلى أن الكيان الذي أقامه الغنوشي لم يكن مجرد ظاهرة عابرة، بل جسماً منظماً استطاع البقاء لعقود رغم ملاحقات السلطة المتعاقبة. وقد أثبتت التجربة أن الحركة استمرت في الوجود رغم السجون والمنافي والانقسامات الداخلية التي عصفت بها في محطات مختلفة.
وأفادت مصادر متابعة للشأن التونسي بأن أي محاولات قانونية لتجميد الحركة أو سحب ترخيصها، كما يتردد في أروقة البرلمان، قد لا تنهي وجودها الفعلي. فالحركات السياسية والاجتماعية لا تختفي بقرارات إدارية، بل تظل محكومة بسياقات موضوعية تتجاوز منطق القوة الأمنية أو القهر القانوني.
تضمنت رسالة الغنوشي خمس نقاط جوهرية، بدأها بالتأكيد على أن السجن يمثل 'ابتلاءً وباباً من أبواب التربية الربانية' في ميزان المؤمن. وهذا الخطاب يهدف بالأساس إلى تخفيف وطأة المعاناة النفسية عن المعتقلين وأنصارهم، وتحويل المحنة إلى فرصة للصبر والارتقاء الروحي.
وفي رسالته الثانية، شدد الغنوشي على أن الأوطان لا يمكن بناؤها بالقهر أو استقرارها بالظلم، بل تقوم على أسس الشورى والعدل واحترام الإرادة الشعبية. ويعكس هذا الموقف رؤية الغنوشي للمرحلة الراهنة التي تمر بها البلاد، معتبراً أن غياب هذه القيم يهدد التماسك الوطني.
كما دعا الغنوشي شباب الحركة إلى عدم الانجرار وراء الغلو أو اليأس نتيجة الألم والظلم الواقع عليهم، مؤكداً أن التغيير الحقيقي يجب أن يكون أخلاقياً وجامعاً. وحذر من نزعات الإقصاء أو التشفي، مشدداً على ضرورة فتح أبواب الوطن لجميع أبنائه دون استثناء عند تغير موازين القوى.
إن بقيتُ بينكم أو غبتُ عنكم، فالمعاني أكبر من الأفراد، والمشروع أوسع من الأشخاص، والحرية أمانة الأجيال.
ويُذكر للغنوشي في هذا السياق مواقفه السابقة التي اتسمت بالتسامح تجاه خصومه السياسيين عقب الثورة، حيث استقبل شخصيات من النظام السابق في إطار سياسة التهدئة. وقد اشتهر بتشبيهه لتونس بالطائر الذي يحلق بجناحين، في إشارة إلى ضرورة التعايش بين الإسلاميين والدستوريين.
واختتم الغنوشي وصاياه بالتأكيد على أن مستقبل تونس يكمن في الحرية، ودولة القانون، والمؤسسات، والتداول السلمي على السلطة. وهي المبادئ التي تمثل خلاصة تحوله الفكري من الأطر التقليدية إلى تبني الخطاب الديمقراطي الحديث الذي يرتكز على التعددية والاختلاف.
وفي جملة مؤثرة، اعتبر الغنوشي أن 'المعاني أكبر من الأفراد والمشروع أوسع من الأشخاص'، مشيراً إلى أن بقاءه أو غيابه لن يغير من جوهر القضية. وتعد هذه الكلمات بمثابة تسليم للأمانة إلى الأجيال الشابة لمواصلة المسار الذي بدأه منذ عقود.
ورغم غياب المراجعات النقدية الصريحة في الرسالة، إلا أن الظرف الراهن داخل السجن قد لا يسمح بمثل هذه المحاسبات العلنية. فالرسالة موجهة بالأساس لرفع المعنويات وتثبيت القواعد، في ظل وجود أطراف سياسية تتربص بالحركة وتدعو إلى اتخاذ إجراءات قاسية ضد قياداتها.
ويرى محللون أن استمرار سجن الغنوشي في هذه السن المتقدمة قد أدى إلى نتائج عكسية لما تهدف إليه السلطة، حيث تزايدت حالة التعاطف معه. وقد عبرت أطياف واسعة من المجتمع المدني والوسط الحقوقي عن رفضها لاستمرار اعتقاله، رغم وجود خلافات سياسية عميقة مع توجهاته.
إن الرسالة تعكس إصراراً على البقاء في المشهد السياسي التونسي حتى من خلف القضبان، ومحاولة لترسيخ إرث فكري وسياسي يتجاوز اللحظة الراهنة. وتبقى التساؤلات قائمة حول مدى استجابة السلطة أو القوى السياسية لهذه الرسائل الداعية للحوار والتعايش.
في نهاية المطاف، تظل وصايا الغنوشي وثيقة سياسية تعبر عن مرحلة حرجة من تاريخ تونس الحديث، وتضع شباب النهضة أمام مسؤولية تاريخية. فهل ستنجح هذه الرسائل في الحفاظ على تماسك الحركة، أم أن المتغيرات السياسية ستفرض واقعاً جديداً يتجاوز هذه الوصايا؟





שתף את דעתך
وصايا الغنوشي من خلف القضبان: رسائل 'الوداع' لشباب النهضة ومستقبل الحركة