ג 24 פבר 2026 1:03 pm - שעון ירושלים

رمضان والقرآن.. هل تستعيد السياسة روحها الأخلاقية من مدرسة الصيام؟

يُعد شهر رمضان المبارك محطة تربوية فريدة تتجاوز حدود الامتناع المادي عن الطعام والشراب، لتصل إلى عمق التجربة الإنسانية في إعادة بناء الذات من الداخل. فإذا كان الصيام في ظاهره عبادة فردية، فإن جوهره يمتد ليلامس الفضاء العام، ويطرح تساؤلات جوهرية حول إمكانية استعادة السياسة لروحها الأخلاقية المفقودة.

تتجلى أولى ملامح هذا التحول في العلاقة الوطيدة التي تجمع الصائم بالقرآن الكريم منذ اليوم الأول للشهر الفضيل. حيث يقبل الناس بشغف على تدبر الآيات وتأمل القصص القرآنية، مما يعيد تشكيل الوعي الجمعي وفق مرجعية أخلاقية تستند إلى الوحي باعتباره المصدر الأول للتوجيه والإرشاد.

وقد لاحظ العلامة ابن خلدون قديماً هذا التعلق الوثيق بالقرآن لدى أهل المغرب، معتبراً أن جعل القرآن أصل التعليم ومداره هو سر رسوخ الإيمان وصحة المعتقدات. ويرى ابن خلدون أن هذا التمسك بالقيم القرآنية كان تاريخياً ملاكاً لعزهم وطريقاً نحو استقرار سلطانهم وملكهم القائم على الشرعية.

إن الإقبال على القرآن في رمضان ليس مجرد ختم شكلي للحروف، بل هو محاولة لفهم أسرار الاستخلاف في الأرض وعمارة الكون. فالقرآن يعالج بناء الضمير الإنساني ويؤسس لقيم العدل والشورى، ويضع قواعد صارمة للعمران الاجتماعي والسياسي لا تفصل بين تهذيب النفس وإصلاح المجتمع.

وفي هذا السياق، يبرز التساؤل حول قدرة رمضان على تصحيح مسار الحياة السياسية المعاصرة التي تعاني من أزمات أخلاقية حادة. فالسياسة في أرقى صورها هي تدبير الشأن المشترك بما يحقق الصلاح العام، وهو مفهوم يتصادم أحياناً مع الواقعية السياسية التي تفصل بين الممارسة والقيمة.

تأرجح مفهوم السياسة تاريخياً بين اتجاهين؛ الأول يراها صراعاً محضاً على السلطة ومراكمة للقوة كما نظر لها ميكيافيلي، والثاني يراها أداة للإصلاح. فالمذهب الواقعي الحديث اختزل السياسة في فن السيطرة وإدارة التوازنات، ولو كان ذلك على حساب المبادئ الأخلاقية والقيم الإنسانية.

في المقابل، يقدم التراث الإسلامي تعريفات مغايرة تربط السياسة بالصلاح، حيث اعتبرها الفقهاء ما يقرب الناس من الخير ويبعدهم عن الفساد. وهنا تصبح السياسة فعلاً عمرانياً يهدف إلى حماية المجتمع من الظلم، الذي اعتبره ابن خلدون المؤذن الأول بخراب العمران وانهيار الدول.

ليست الأخلاق في هذا المنظور ترفاً وعظياً أو مثاليات بعيدة عن الواقع، بل هي شرط بنيوي لاستمرار النظام السياسي واستقراره. فالإيمان الذي يحرر الإنسان من عبودية الشهوة والخوف، يؤهله في الوقت ذاته لممارسة السلطة بوصفها أمانة ثقيلة ومسؤولية أمام الله والخلق، لا مجرد غنيمة شخصية.

وعلى صعيد الفلسفة الغربية، نجد أن إيمانويل كانط ربط بين الأخلاق ووجود قانون داخلي يضبط السلوك البشري عبر احترام الواجب. ورغم أن كانط استند إلى العقل العملي المستقل، إلا أن المنظور القرآني يعمق هذا المفهوم بجعل القانون الأخلاقي متجذراً في علاقة الإنسان بخالقه، مما يمنحه ديمومة وقدسية.

إن أزمة السياسة المعاصرة في جوهرها هي أزمة معنى، حيث تحولت المنافسة إلى خصومات شخصية وغاب الضابط القيمي عن الخطاب والممارسة. وهنا يأتي رمضان ليذكر الفاعلين السياسيين بأن السلطة زائلة، وأن المسؤولية الأخلاقية هي المعيار الحقيقي لنجاح أي تجربة تدبيرية للشأن العام.

رمضان يمنح السياسة بعداً إصلاحياً يتجاوز البراغماتية الضيقة، ويعيد وصلها بأفقها الأخلاقي الذي يجعل من خدمة الإنسان غاية قصوى. فالعلاقة السليمة مع الخالق تؤسس بالضرورة لعلاقة سليمة مع الناس، والعدل لا يمكن أن يستقر في مجتمع ما لم يكن له مستقر في ضمائر أفراده.

إن استعادة الروح الأخلاقية للسياسة تتطلب استحضار قيم الهداية التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله 'يهدي للتي هي أقوم'. وهذه الهداية ليست روحية فحسب، بل هي منهج متكامل يشمل الفكر والسلوك والنظام السياسي، ويهدف إلى تحقيق التوازن بين مصلحة الفرد وصالح الجماعة.

يمثل شهر الصيام فرصة سنوية لإعادة تأسيس الضمير الفردي والجماعي، ونقل قيم المسجد إلى المجال العام والشارع والمؤسسات. فإذا تمكنا من استلهام معاني الصبر والأمانة والعدل في ممارساتنا اليومية، سنكون قد وضعنا اللبنة الأولى في طريق استعادة السياسة لرسالتها الأصلية في صون العمران.

ختاماً، يظل رمضان مدرسة للتجديد الشامل، حيث تلتقي فيه الروحانية بالعمل، والإيمان بالإصلاح السياسي والاجتماعي. إنها دعوة لإحياء القلوب والعقول، ليكون الصيام منطلقاً نحو واقع سياسي أكثر عدلاً وإنسانية، يحقق كرامة الإنسان ويصون مستقبله من التآكل الأخلاقي.

תגים

שתף את דעתך

رمضان والقرآن.. هل تستعيد السياسة روحها الأخلاقية من مدرسة الصيام؟

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.