ג 24 פבר 2026 9:32 am - שעון ירושלים

مجلس السلام والحقائق خلف الستار

قبل الخوض في تفاصيل وخلفيات ما جرى في واشنطن تحت عنوان "اجتماع مجلس السلام" يوم الخميس الماضي، لا بد من الإشارة إلى العامل الرئيس الذي أدى أصلاً إلى "إعلان وقف إطلاق النار" ولاحقاً ما سمي "خطة السلام"، وهو الفشل الإسرائيلي الكامل في تحقيق الهدف الأساس لحرب الإبادة على قطاع غزة، أي تنفيذ التطهير العرقي لسكانه.
ولولا الصمود البطولي والباسل لسكان قطاع غزة وإصرار غالبيتهم الساحقة على البقاء في وطنهم رغم القتل الوحشي والدمار، لما رأينا الولايات  المتحدة تنتقل إلى الخطة "ب" بعد أن فشلت إسرائيل في تنفيذ الخطة"ا" و لما رأينا "لا خطة سلام"، ولا "مجلس سلام"، بل لتحول الأمر إلى مشروع استثمار عقاري إسرائيلي أميركي، يرافقه استيطان إسرائيلي في قطاع غزة الخالي من السكان بعد ضمه لإسرائيل، وكثير من التصريحات الأولى التي رافقت حرب الإبادة على قطاع غزة كانت تشير بوضوح إلى ذلك السيناريو الذي فشل.
وقبل الحديث عن "مجلس السلام" لا بد من الإشارة إلى أن "خطة السلام" التي أقيم على أساسها افتقدت وما زالت تفتقد لعناصر الخطة بالمعنى المتعارف عليه، كما افتقدت لعناصر ما يسمى "بالسلام" اذ كيف يمكن الحديث عن سلام في المنطقة دون معالجة جذر المشكلة المتمثل في القضية الوطنية الفلسطينية بما فيها "التطهير العرقي للاجئين" والاحتلال الأطول في التاريخ الحديث، ومشروع الاستعمار الاستيطاني الإحلالي المتواصل في الضفة الغربية وما أفرزه من منظومة أبرتهايد عنصرية.
ما نتج عن اجتماع مجلس السلام الأول كان ثلاثة محاور: سياسي، وأمني، وثالث يتعلق بإعادة الإعمار.
افتتح الرئيس الأميركي ترامب خطابه في الاجتماع بالقول "الحرب انتهت وحل السلام" والمشكلة الوحيدة الباقية هي "نزع سلاح حماس" وإيران.
ولم يذكر الرئيس الأميركي بكلمة واحدة، لا استمرار حرب القصف الإسرائيلية على غزة، وخرقها لاتفاق وقف إطلاق النار أكثر من 1560 مرة، مما أدى لاستشهاد حوالي 700 فلسطيني أكثر من نصفهم من النساء والأطفال.
ولم يذكر بكلمة استمرار الاحتلال الإسرائيلي ليس فقط للضفة الغربية بل لحوالي 60% من قطاع غزة، ولم يشر إلى التوسع الاستيطاني وهجمات الإرهابيين المستوطنين في الضفة الغربية التي تهدد بانفجار الوضع برمته.
والأهم من ذلك كله أنه لم يشر إلى حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير أسوة بباقي الشعوب، إذ تحول الأمر برمته في الخطاب إلى موضوع غزة فقط، وتهميش كامل للقضية الفلسطينية التي كانت تصفيتها محور "صفقة القرن" التي سبق أن تبناها في ولايته الأولى.
وأقل ما يمكن أن يقال تجاه الذين أعدوا ذلك الخطاب، هو إما أنهم يجهلون ما يجري على الأرض وتلك مصيبة ، أو أنهم يتجاهلونه وتلك مصيبة أعظم.
"الحرب انتهت وحل السلام" ذلك، ما ترسخ في ذهن الرئيس الأميركي، ولكن الواقع على الأرض لا يشير إلى أي "سلام".
كثيرون ممن تحدثوا في المؤتمر واصلوا الحديث عن "الرهائن الإسرائيليين" الذين عادوا جميعاً وانتهت قضيتهم، ولكن احداً لم يذكر العشرة آلاف رهينة فلسطينية في سجون الاحتلال.
وكثيرون عادوا، ظلماً وبهتاناً، لتحميل الضحية أي الشعب الفلسطيني المسؤولية عن كل ما جرى، حتى أن جاريد كوشنر قال "أن غزة تعاني بسبب القيادة الخاطئة" وليس الاحتلال والحصار والاضطهاد العنصري.
وكثيرون انزلقوا إلى الخطاب الكريه، باتهام ثقافة الفلسطينيين بأنها ثقافة كراهية، لأنهم يطالبون بحقوق شعبهم من احتلال ظالم ارتكب ثلاثة جرائم حرب، باعتراف المحاكم الدولية، في آن واحد.
ولولا انبراء ممثلي مصر، وتركيا وقطر والسعودية و خصوصا رئيس وزراء باكستان، بتذكير العالم بوجود الاحتلال وبحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وضرورة حل مستدام للقضية الفلسطينية لاختفى الموضوع الفلسطيني برمته من الاجتماع.
وبالمناسبة فإن "عتاولة " الديمقراطية الغربية " لم يشيروا بكلمة واحدة لحق الشعب الفلسطيني في ممارسة الانتخابات الديمقراطية الحرة.
وللأسف فإن إسرائيل مُثلت في الاجتماع والمجلس، رغم أن رئيس وزرائها مطلوب كمجرم حرب لمحكمة الجنايات الدولية، ولكن فلسطين لم تمثل، وأكتفي بإعطاء كلمة لرئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة، الذي اضطر لحصر خطابه بالوضع في قطاع غزة.
وفي الوقت الذي سمح فيه لوزير الخارجية الإسرائيلي ساعر بتقديم الرواية الإسرائيلية التحريفية والمشوهة للوضع، فإن الخطاب الوطني الفلسطيني والرواية الفلسطينية بقيت غائبة.
بل أن منظمة التحرير الفلسطينية، التي تعتمد ممثلاً للشعب الفلسطيني هُمشت بالكامل، وذلك إثبات إضافي لقيادتها أن مشكلتها ليست مع شعبها أو قواه السياسية، بل مع إسرائيل وحلفائها ومنظومة دولية ظالمة، وإذا أرادت استعادة مكانتها فليس لها إلا طريق الوحدة مع مكونات شعبها وليس الانكفاء  خوفاً من حدوث ما حدث فعلاً من عزل وتهميش.
ولعل من أخطر الأمور السياسية التي تجلت ويجب الانتباه لها، هي محاولة إسرائيل وحلفائها فصل غزة ومستقبلها بالكامل ليس فقط عن الضفة الغربية، بل عن كل فلسطين، في ما يمثل عنصراً من عناصر محاولة تصفية القضية الفلسطينية برمتها كقضية شعب، وليس مجرد مناطق جغرافية مجزأة.
أما موضوع الأمن فلعله كان أكثر القضايا غموضاً في مؤتمر "مجلس السلام".
إذ دار الحديث عن تشكيل قوة شرطية من 5000 مجند جديد تدربهم مصر والأردن، كشرطة انتقالية ولم يذكر مصير أجهزة الشرطة القائمة. كما ذُكر أن أندونيسيا والمغرب وكوسوفو وكازاخستان والبانيا، ستشكل قوة حفظ سلام أو استقرار من 20 ألف جندي، غالبيتهم (8000) تعهدت أندونيسيا بتقديمهم.
وما يثير الاهتمام أن الحديث ذكر أن هذه القوة ستنقسم لخمسة ألوية حسب محافظات قطاع غزة، والوحيدة التي ذكرت بالاسم كانت محافظة رفح.
الأسئلة الغامضة التي تم تجنبها، وبعضها خطير للغاية هــي :-
1 - هل ستكون لقوة الاستقرار مهام شرطية، أو علاقة بما سمي "بنزع السلاح"؟
2 - هل سينسحب جيش الاحتلال؟ ومتى سينسحب من المناطق التي يحتلها وما هو الجدول الزمني لذلك؟
3 - متى سيبدأ انتشار هذه القوة، ومن يضمن وقف جيش الاحتلال لقصفه وعملياته العسكرية في قطاع غزة؟
4 - السؤال الرابع، أين ستقف قوة حفظ السلام إذا انسحب جيش الاحتلال إلى حدود المنطقة العازلة، هل سيقفوا على الحدود الإسرائيلية أم في غزة خلف المنطقة العازلة؟
5- من واجب اللجنة الوطنية لإدارة غزة أن ترفض و أن ترد على تصريحات توني بلير التي قال فيها "أن كل شرطي فلسطيني في القوة الشرطية الجديد سيخضع للفحص والموافقة الإسرائيلية"، في ما يمثل إمعانا في تكريس سيطرة الاحتلال.
ولعل زلة لسان الرئيس الأميركي، كانت أخطر ما قيل أمنياً عندما قال "أن دولتين رغبتا أن تهاجما حماس وقلنا أن ذلك ليس ضرورياً".
منطقياً، فلا بد أن هاتين الدولتين كانتا حاضرتين في اجتماع مجلس السلام، فمن هما هاتان الدولتان، وبأي حق تشاركان في المجلس وهما تريدان تولي مهام جيش الاحتلال في قطاع غزة؟
ولعل خطاب ممثل ألبانيا كان من أكثر الخطابات استفزازاً، إذ تبنى بشكل مطلق الرؤية الإسرائيلية.
ودون العودة إلى موضوع الضفة الغربية، فإن السؤال المشروع هو "لماذا لا يتحدث أحد عن نزع سلاح عصابات الإرهاب الاستيطانية التي تعيث فسادا في الضفة الغربية"؟
 المحور الثالث للاجتماع كان موضوع إعادة الإعمار، حيث ذكر أن بعض الدول ممن فيها مؤسسات الأمم المتحدة تعهدت بتقديم سبعة مليارات دولار وتعهد الرئيس الأميركي بتقديم 10 مليارات ستحتاج بالطبع لموافقة مجلس الكونجرس الأميركي.
المعضلات الأساس التي تتعلق بموضوع اعادة الإعمار، هــي :-
أولا -غزة ستحتاج إلى ما لا يقل عن 60-70 مليار دولار فمن أين ستتوفر باقي الأموال؟
ثانيا -جميع من تعهدوا بتقديم التبرعات، كالدول العربية، لم يقولوا سنقدم مليار دولار فوراً ، بل قالوا سنقدم مليار دولار خلال السنوات القادمة.
ثالثا -لم يذكر أحد، ضرورة إجبار إسرائيل على دفع تعويضات، ولو جزئية، عن الدمار الهائل الذي سببته، على الأقل لجعلها تفكر في المستقبل قبل أن تقدم على تكرار دمارها لغزة الذي تكرر خمس مرات، وأفدحها ما جرى بعد عام 2023.
رابعا -لم يُشر بكلمة إلى السماح للفلسطينيين ببدء الاستثمار وتشغيل بئر الغاز الخاص بغزة، والذي تقدر قيمته ب 60 مليار دولار، والذي يمكن أن يغطي دخله جزءاً من تكاليف اعادة الإعمار، كما أنه يمكن أن يوفر لقطاع غزة مصدراً لطاقة الكهرباء التي لا تصلها منذ أكثر من عامين.
خامسا -لعل أخطر ما ذكر أن إعادة الإعمار ستبدأ في منطقة رفح التي سوتها إسرائيل بالأرض، بدل أن تبدأ  فوراً حيث يتواجد أكثر من مليونين من سكان قطاع غزة يعانون الأمرين من دمار البنية التحتية وشبكات الكهرباء والطاقة والمياه والمجاري.
والأخطر أيضاً، ما ذكر أن إعادة الإعمار ستكون في رفح والخط الساحلي، فهل هذه وصفة تسمح لإسرائيل بإبقاء احتلالها وسيطرتها على جميع الجزء الشرقي من قطاع غزة؟
وهل إعادة الإعمار، ستكون لصالح مستثمري العقارات الأجانب، أم لصالح قطاع غزة وسكانه؟
وهل ستنتهي المليارات الموعودة في جيوب المستثمرين أم لصالح صمود وبقاء سكان قطاع غزة الذين تحملوا ما لا تحتمله الجبال؟
أسئلة كثيرة ما زالت بحاجة إلى أجوبة، وليست صدفة أن كثيراً من الدول غابت عن الاجتماع، لخشيتها رغم التطمينات الأميركية أن يصبح "مجلس السلام" "بديلا للأمم المتحدة"، أو لأن بعضها رأى في كل ما يجري استمرارا في استباحة القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي اللذين ذبحا في قطاع غزة.

תגים

שתף את דעתך

مجلس السلام والحقائق خلف الستار

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.