لا تظهر الظواهر الباطلة والفاسدة في مجتمعاتنا العربية فجأة، ولم يسبق لتاريخنا أن شهد فساداً ولد جماعياً. إنها تبدأ دوماً كهمسة في أذن فرد، كفكرة شاذة تنبت في عقل واحد، ثم لا تلبث أن تتحول إلى كتلة ضاغطة، تبدأ بدائرتها الصغرى ثم تتسع كأمواج حجر أُلقي في ماء راكد. تكبر الدائرة، ثم دائرة أكبر، حتى تصبح ظاهرة اجتماعية لها سطوتها، ثم تتحول الظاهرة إلى ثقافة عامة، ثقافة تجبر الناس على الانصياع لها، طوعاً أو كرهاً. ووسط هذا كله يقف الباحث التربوي والاجتماعي في عالمنا العربي موقف المحلل الشارح، يصف الظاهرة بدقة متناهية، لكن السؤال الأهم يبقى معلقاً في الهواء: من يصلحها؟ من يضع لها الحلول ويحجمها قبل أن تلتهم ما تبقى من قيمنا الأصيلة؟
إن الإجابة تكمن لدى أصحاب الخبرة والمعرفة الرصينة، أولئك الذين يفترض بهم أن يكونوا منارات الوعي وحراس الحقيقة. ولكن، وللأسف الشديد، نشهد اليوم في عالمنا العربي ما يشبه الغياب المتعمد للأكاديميين والمثقفين الحقيقيين عن ساحة صناعة الوعي العام. لقد تركوا فراغاً هائلاً، سرعان ما ملأه "المؤثرون" في وسائل التواصل الاجتماعي، ليصبحوا هم من يصنعون وعياً جديداً، وعياً زائفاً ومشوهاً في كثير من الأحيان. إنها مفارقة مؤلمة أن نرى من يملكون المعرفة الحقيقية يتقوقعون في أبراجهم العاجية، بينما يصول ويجول من يملكون القدرة على الانتشار في فضاءات الوعي الجمعي، ويقدمون محتوى سطحيًا يفتقر إلى العمق، بدءًا من تحديات الرقص السخيفة وصولًا إلى نشر معلومات مغلوطة عن قضايا مصيرية.
لفهم هذه الآلية الخطيرة، يجب أن نعود إلى مفهوم "العدوى الاجتماعية"، الذي يصف كيفية انتشار السلوكيات والأفكار والعواطف داخل الشبكات الاجتماعية، تماماً كما تنتشر العدوى البيولوجية. في الماضي، كانت هذه العدوى تنتقل ببطء، عبر التفاعل المباشر والتواصل الشخصي في مجالسنا ودواويننا. أما اليوم، فقد وفرت وسائل التواصل الاجتماعي بيئة مثالية لتسريع هذه العدوى بشكل غير مسبوق. فكرة واحدة، يطلقها فرد، يمكن أن تصل إلى الملايين في دقائق، وتكتسب زخماً وقوة، ليس بالضرورة لقيمتها الحقيقية أو صحتها، بل لقدرتها على إثارة المشاعر وتحقيق الانتشار الفيروسي. ومع تكرار التعرض لهذه الفكرة، تبدأ بالتحول تدريجياً إلى "معيار اجتماعي"، وهو قاعدة غير مكتوبة للسلوك المقبول داخل جماعة معينة . وهنا تكمن الخطورة، حيث يبدأ الأفراد بالامتثال لهذا المعيار الجديد، ليس عن قناعة بالضرورة، بل خوفاً من العزلة الاجتماعية أو رغبة في القبول، فنرى شبابنا يقلدون سلوكيات غريبة عن ثقافتنا، لمجرد أنها "ترند".
في هذا السياق، يبرز دور "المؤثرين" كعوامل حاسمة في تسريع هذه العدوى وتشكيل المعايير الجديدة. لقد تحول التسويق عبر المؤثرين إلى صناعة ضخمة، حيث تشير التقديرات إلى أن حجم سوق المؤثرين العالمي قد تضاعف ثلاث مرات منذ عام 2020، ومن المتوقع أن يصل إلى ما يقارب 33 مليار دولار بحلول هذا العام. والأخطر من ذلك هو أن تأثيرهم لم يعد يقتصر على الترويج للمنتجات، بل امتد ليشمل تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي. فقد أظهرت دراسة حديثة أجراها مركز بيو للأبحاث أن حوالي 21% من البالغين في الولايات المتحدة يحصلون على الأخبار بانتظام من المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، وترتفع هذه النسبة إلى 37% بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 29 عاماً . وإذا كان هذا هو الحال في الولايات المتحدة، فمن المرجح أن تكون هذه الأرقام أعلى في مجتمعاتنا العربية، حيث يمثل الشباب نسبة كبيرة من السكان، وحيث تنتشر ثقافة متابعة المشاهير والمؤثرين بشكل كبير. هؤلاء الشباب، الذين يشكلون مستقبل أمتنا، يثقون في المؤثرين كمصادر للمعلومات، ويرون أنهم يساعدونهم على فهم الأحداث الجارية بشكل أفضل، بينما هم في الحقيقة يقعون فريسة لوعي زائف وموجه.
أمام هذا المد الجارف، يبدو موقف المؤسسات الأكاديمية في عالمنا العربي مقلقاً. فبينما الثقة العامة في العلم والعلماء لا تزال مرتفعة نسبياً، إلا أن المشاركة العامة في الأنشطة العلمية منخفضة للغاية. هذه الفجوة بين ما ينتجه الأكاديميون في جامعاتنا ومراكز أبحاثنا، وبين ما يصل إلى وعي الجمهور العام، تبدو أكثر اتساعاً وعمقاً في عالمنا العربي. إن "مشكلة البرج العاجي" لدينا ليست فجوة فحسب ، بل هي هوة سحيقة تفصل بين نخبة أكاديمية تتحدث لغة لا يفهمها إلا قلة، وبين جمهور عريض متعطش للمعرفة، فلا يجد أمامه سوى محتوى المؤثرين السطحي والمضلل.
والأدهى من ذلك هو ما أشار إليه الباحث أندريه مير في مقال له بعنوان "النشاط الأكاديمي كتأثير للإعلام الرقمي"، حيث يرى أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تترك الأكاديميين في برجهم العاجي، بل أغرتهم بالنزول إلى الساحة العامة، ولكن ليس كباحثين عن الحقيقة، بل كـ "حكام على الحقيقة". لقد حولت وسائل التواصل الاجتماعي بعض الأكاديميين إلى مؤثرين، يخضعون منطق البحث العلمي الرصين لمنطق الانتشار الفيروسي والإعجابات. أصبح الدعم العام، أو الإدانة العامة، عاملاً مؤثراً في النقاشات العلمية، وتحول البحث عن الحقيقة إلى شكل من أشكال الدعوة والمناصرة. هذا التحول الخطير يهدد بتسطيح الأكاديميا وتسييسها، ويفقدها دورها الأساسي كمنارة للمعرفة الموضوعية والمستقلة، وهو ما بدأنا نرى بوادره في بعض النقاشات الأكاديمية على منصات التواصل الاجتماعي في عالمنا العربي.
إننا نعيش في لحظة تاريخية فارقة، لحظة يتآكل فيها الوعي الحقيقي ليحل محله وعي زائف، مصطنع، وموجه. إن الظواهر الباطلة التي تبدأ كشرارة في عقل فرد، تجد اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرين وقوداً هائلاً يحولها إلى حريق يلتهم قيم مجتمعاتنا العربية وثوابتها الأصيلة. إن المسؤولية الملقاة على عاتق المؤسسات التربوية والأكاديمية اليوم أكبر من أي وقت مضى. لم يعد كافياً أن ننتج المعرفة ونحبسها في أروقتنا، بل يجب أن نجد السبل الكفيلة بإيصال هذه المعرفة إلى الجمهور العام، بلغة يفهمها، وبطريقة تعيد تشكيل وعيه على أسس من الحقيقة والعقلانية. إنها ليست دعوة للأكاديميين ليتحولوا إلى مؤثرين، بل هي دعوة لهم ليعودوا إلى دورهم الأصيل كمثقفين عموميين، ومربين، وحراس للمعرفة الحقيقية، قبل أن يحرقنا لهب الزيف، وتتحول مجتمعاتنا إلى رماد متناثر في مهب الريح.
ב 23 פבר 2026 9:43 am - שעון ירושלים





שתף את דעתך
من الشرارة إلى الرماد: كيف تتشكل الظواهر الزائفة وتلتهم وعينا الجمعي في عالمنا العربي؟