ו 20 פבר 2026 2:41 pm - שעון ירושלים

المخيال الرئاسوي في تونس: عجز المعارضة عن مغادرة عباءة 'الرجل الواحد'

لم تنجح القوى السياسية المعارضة في تونس، على مدار أكثر من خمسة عقود، في الفكاك من أسر المخيال السياسي الذي صاغته السلطة، والمتمحور حول المركزية المطلقة لشخص الرئيس. هذا التصور الذي بدأ مع الحبيب بورقيبة واستمر عبر زين العابدين بن علي وصولاً إلى المرحلة الراهنة، جعل من 'الرئيس' القطب الوحيد الذي يدور حوله خطاب المعارضة وفعلها السياسي.

إن التركيز المفرط على دور الرئيس وتصويره كفاعل وحيد يمتلك مفاتيح التغيير المطلق، يعكس مرضاً سياسياً بنيوياً يتجاوز مجرد الخطأ في التحليل. هذا التوجه يكشف عن عجز عميق لدى النخب في بناء تنظيمات حزبية قادرة على التغلغل في القواعد الشعبية وتنظيم الشارع بعيداً عن الشخصنة.

بدلاً من الاستثمار في بناء مؤسسات حزبية صلبة، اختارت رموز المعارضة الملاذ السهل المتمثل في 'شخصنة الصراع'. لقد استبدلوا العمل الميداني الشاق وبناء الشبكات الاجتماعية بخطابات إعلامية موسمية تهدف فقط إلى الوصول للحظة انتخابية خاطفة تُزيح رئيساً لتضع مكانه آخر يمتلك الصلاحيات ذاتها.

يغفل هذا المنطق الرئاسوي حقيقة أن السلطة في تونس ليست مجرد إرادة فرد، بل هي شبكة معقدة من المصالح المتداخلة. فهناك لوبيات اقتصادية متجذرة، وبيروقراطية إدارية محافظة تملك قدرة هائلة على التعطيل، بالإضافة إلى توازنات إقليمية ودولية تفرض إيقاعها على القرار الوطني.

إن اختزال الأزمات الاقتصادية والقضائية والإعلامية في شخص الرئيس يمثل هروباً من التحليل العميق للواقع. هذا التبسيط يخدم الزعامات التي تفتقر للنفس الطويل في العمل السياسي، حيث يمنحها النظام الرئاسي فرصة للقفز فوق هشاشتها التنظيمية عبر تركيز السلطة في موقع واحد.

أثبتت التجربة التاريخية عجزاً واضحاً لدى معظم القوى المعارضة في بناء أحزاب ذات هياكل قاعدية حقيقية، باستثناءات محدودة. وقد أدى ذلك إلى نشوء 'حزيبات' مجهرية تدور في فلك الزعيم، تظهر في المواسم الانتخابية ثم تتلاشى بمجرد انتهاء الاستحقاق، دون أن تترك أثراً في الوعي الجمعي.

هذه الزعامات تفضل 'التفويض الأعمى' من الجمهور على الشراكة السياسية معه، فهي تريد جمهوراً يصوت ولا تريد قواعد تفاوض وتشارك في القرار. هذا السلوك يعكس نوعاً من الاحتقار الضمني للجمهور، حيث يُنظر إليه ككتلة للاستخدام الانتخابي لا كشريك في بناء المسار الديمقراطي.

خلال لحظة صياغة دستور 2014، ظهر التناقض الصارخ في مواقف النخب المعارضة تجاه شكل النظام السياسي. فبينما كان التوجه نحو النظام البرلماني يهدف لتفكيك مركزية السلطة، وقفت زعامات تاريخية ضده بدعوى الحفاظ على 'الاستقرار'، وهو ما أخفى خوفاً حقيقياً من نظام يكشف ضعفها التنظيمي.

كان النظام البرلماني يفرض على القوى السياسية العمل الميداني الدؤوب وبناء قواعد اجتماعية متماسكة للوصول إلى البرلمان. لكن النخب الرئاسوية فضلت نظاماً يسمح بمناورات استئصالية، حيث يكفي الفوز بكرسي الرئاسة لوضع بقية الخصوم في موقع الدفاع، وهو ما يتناقض مع شعارات الديمقراطية التي يرفعونها.

في المقابل، برزت حركة النهضة كقوة منظمة تمتلك شارعاً وقاعدة انتخابية صلبة، مما جعلها تدفع باتجاه النظام البرلماني. هذا الصدام بين الرؤية البرلمانية والنزعة الرئاسوية للمعارضة كان أحد الأسباب الجوهرية التي أدت إلى تعثر مسار الانتقال الديمقراطي في البلاد.

لجأت بعض النخب إلى استخدام 'العامل الخارجي' كأداة في الصراع الداخلي، عبر الترويج لفكرة أن المجتمع الدولي لن يقبل بحكم الإسلاميين. هذا الخطاب لم يكن يهدف لبناء ديمقراطية تشاركية، بل كان وسيلة لإقصاء المنافسين والوصول للرئاسة عبر استغلال مخاوف القواعد الانتخابية.

إن النظام البرلماني، رغم عيوبه، يكسر حلم 'الرجل القوي' ويجبر القوى الاقتصادية والسياسية على التعامل مع فضاء متعدد لا مع قمة واحدة. هذا التعدد يفتح المجال للمساءلة الشعبية ويحول السياسة من فعل فردي إلى عملية جماعية تتطلب التفاوض الدائم والتحالفات العريضة.

يتضح من مسار النقاشات السياسية أن جزءاً كبيراً من المعارضة لم يكن يرفض الاستبداد بحد ذاته، بل كان يرفض 'المستبد' طمعاً في وراثة صلاحياته. لقد تبين أن معارضتهم للرئيس كانت تهدف للجلوس مكانه، لا لإعادة بناء البيت السياسي على أسس ديمقراطية توزع السلطة وتمنع تغول الفرد.

اليوم، تعيش تونس تحت حكم رئاسوي فج هو نتاج طبيعي لسقوط مشروع توزيع السلطة. ولن تُبنى الديمقراطية الحقيقية بانتظار 'رئيس جيد'، بل بتفكيك البنية الرئاسوية وتحول المعارضة من شخصنة الصراع إلى بناء أحزاب حقيقية، وإلا ستظل البلاد تدور في حلقة مفرغة من إعادة إنتاج النظام ذاته بوجوه مختلفة.

תגים

שתף את דעתך

المخيال الرئاسوي في تونس: عجز المعارضة عن مغادرة عباءة 'الرجل الواحد'

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.