في أجواء احتفالية مفعمة بالحيوية، شهدت دولة قطر فعاليات اليوم الرياضي التي تحولت إلى تظاهرة إنسانية تتجاوز مجرد الركض والمنافسة. وسط تسارع الخطوات وتلوّح الأعلام، كان الماراثون يمثل احتفاءً بالحياة ونبض القلوب التي تسعى نحو أهدافها في مضمار ممتد.
خلال هذه المشاركة، استوقفني حضور لافت لامرأة لم تكن تبرز بملابسها أو زينتها، بل بجمال حضورها الطاغي وابتسامتها العريضة. كانت عيناها تراقبان المضمار بدقة متناهية، وكأنها في حالة ترقب لحدث يفوق في أهميته كل الضجيج المحيط بالسباق.
بدا واضحاً من حماستها وإشاراتها المتكررة أنها تقرأ نبض الطريق وتنتظر شيئاً غالياً على قلبها. لم يطل الانتظار حتى انكشف السر، فقد كانت أماً تنتظر صغارها المشاركين في السباق المخصص للأطفال، تترقب ظهورهم بين الحشود.
ما إن لمحَت أطفالها يجرون نحوها حتى تبدل وجهها وأشرق بنور الفرح، وتلاشت كل علامات القلق والترقب لتتحول إلى اندفاع دافئ. هرعت نحوهم تحتضنهم بلهفة، وتبارك خطواتهم بلمسات حانية تختصر كل معاني الأمان في هذا العالم الواسع.
في تلك اللحظة، تجسدت الأمومة كقوة حية تمشي على الأرض، محولةً المضمار الرياضي إلى ساحة من العواطف الجياشة. هذا المشهد لم يكن عابراً، بل فتح نافذة في الذاكرة على صور قديمة محفورة في الوجدان منذ سنوات طويلة.
استحضرت الذاكرة موقفاً قديماً من إحدى القرى المصرية، حيث كانت هناك أم تبحث عن وليدها المفقود في الأزقة الضيقة بلهفة وقلق. كانت عيناها تمسحان الوجوه والطرقات بحثاً عن قطعة من روحها ضاعت في زحام الحياة، في مشهد يفيض باللوعة.
حين قيل لها إن طفلها في الشارع المجاور، انطلقت كالفراشة التي تستعيد حياتها قبل أن تستعيد طفلها. وعندما احتضنته، انفجرت في بكاء مرير غسل كل مخاوفها، وملأ قلبها بامتنان عميق لعودة الغائب إلى حضنها الدافئ.
الماراثون الحقيقي ليس سباق الأقدام، بل سباق القلوب نحو باب الرحمة.
إن الرابط بين مشهد الأم في ماراثون قطر والأم في أزقة مصر هو ذلك الخيط الخفي بين الخوف والرجاء. كلاهما يمثلان قلباً يترقب وقلباً يستعيد، وكلاهما يختصران معنى الرحمة التي تفيض من صدور البشر تجاه أحبائهم.
هذا التلاقي بين المشهدين أثار تساؤلاً عميقاً حول سعة الرحمة الإلهية التي تفوق كل وصف. فإذا كان قلب البشر المحدود يفيض بكل هذا الحنان، فكيف تكون رحمة الخالق الذي كتب على نفسه الرحمة في كتابه الخالد؟
إن الآية الكريمة 'كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ' ليست مجرد كلمات تتلى، بل هي حقيقة نعيشها في كل لحظة. نحن في هذه الحياة نركض في مضمار طويل، نخطئ ونتعثر ونتباطأ، لكن باب الرجاء يظل مفتوحاً دائماً.
ينتظرنا الخالق بعودة صادقة إليه، في انتظار يفوق في لهفته انتظار الأم لولدها في نهاية السباق. إنها دعوة للتأمل في كيفية تعاملنا مع هذه الرحمة الواسعة التي تحيط بنا من كل جانب وتنتشلنا من عثراتنا.
ومع اقتراب شهر رمضان المبارك، يتجدد السؤال في نفوسنا حول مدى ركضنا نحو هذه الرحمة الإلهية. هل نسعى نحو حضن المغفرة بنفس الشغف الذي يركض به الأطفال نحو أحضان أمهاتهم في نهاية الماراثون؟
لقد كانت تلك المرأة في الماراثون ظلاً لرحمة الله التي تمشي بين الناس، تذكرنا بأن الجمال الحقيقي يكمن في العطاء والاحتواء. إنها رسالة صامتة لكل من يراقب مضمار الحياة، بأن هناك دائماً صدراً يتسع للجميع.
في الختام، يدرك المرء أن الماراثون الحقيقي ليس سباقاً للأقدام أو تنافساً على الميداليات، بل هو سباق القلوب نحو باب الرحمة. فالسعيد هو من يدرك نهاية المضمار ويجد في انتظاره رحمة تغسل تعبه وتؤمن روعه.





שתף את דעתך
أجمل امرأة في الماراثون: تأملات في الأمومة ورحمة الخالق