الحرب على المؤسسات المقدسية، جزء من الحرب الشاملة التي تشن على شعبنا في مدينة القدس، الحرب التي تطال البشر والحجر والشجر، تطال كذلك كل معالم الوجود الفلسطيني وتجلياته وتمظهراته في مدينة القدس، تطال التاريخ والجغرافيا، التراث والآثار، الهوية والثقافة، الكينونة والحقوق، الوعي والانتماء، الرواية والسردية.
الحرب هي بالأساس على الأحقية التاريخية، على السيادة، على السردية والرواية، وعلى الوعي، على الذاكرة الجمعية لشعبنا.
"دولة " الاحتلال استهدفت المؤسسات المقدسية من بعد الاحتلال مباشرة، لأنها رأت فيها النقيض لمشاريعها ومخططاتها، التي تستهدف " اسرلة " الوعي و" كيه" ،وكذلك لكونها تسهم في غرس الإنتماء والتمسك بالهوية،عند اطفالنا وشبابنا في المدينة، وهي التي تعزز من صمودهم وبقائهم على ارضهم، ومن هذا المنطلق كانت تلك المؤسسات في دائرة الإستهداف ل"دولة" الاحتلال ولأجهزتها الأمنية، حتى تلك المؤسسات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي تعهدت دولة الاحتلال،ضمن اتفاق اوسلو الإنتقالي، وما يعرف بإتفاقية الوسط بالحفاظ على وجودها في مدينة القدس،ولكن "دولة " الاحتلال ، لا تلتزم بإتفاقيات ولا مواثيق ولا قانون دولي ولا شرعية دولية، فكانت مؤسسة "بيت الشرق" في مقدمة المؤسسات التي جرى إغلاقها، وكذلك الغرفة التجارية الصناعية، والمجلس الأعلى للسياحة.
لا أعتقد بأن أي مؤسسة في المدينة شبابية، نسوية، تربوية، اغاثية، رياضية، ثقافية وتنموية، لم تتعرض للإغلاق، أو المداهمات والإقتحامات، والإعتقالات بحق هيئاتها الإدارية والعاملين فيها، حتى لو كان النشاط يخص اطفال ، أو حتى جوانب انسانية اغاثية، ولذلك تلك المؤسسات بقيت تعيش حالة من الضغوط المستمرة، سياسة الترهيب والتخويف، وسياسة تجفيف الموارد المالية، وعدم وجود مساحات آمنة للأطفال والشباب.
الكثير من المؤسسات المقدسية، نتيجة الضغوط الكبيرة، التي مورست عليها من قبل الاحتلال وأجهزته الأمنية، بأشكال مختلفة، اضطرت الى نقل مقراتها وعملها الى خارج حدود ما يعرف ببلدية القدس، فهي باتت شبه مشلولة.
نحن تعودنا على حجج وذرائع تروجها وتسوقها أجهزة مخابرات الاحتلال، بأن أي مؤسسة يجري اغلاقها، إما بسبب الصلة والعلاقة والتمويل من السلطة الفلسطينية، أو تماثلها مع التنظيمات الفلسطينية.
منذ عام 1967، أغلق الاحتلال وأجهزة مخابراته أكثر من 38 مؤسسة مقدسية، سواء متعلقة بالأسرى، نادي الأسير ،أو شبابية ،مركز "نضال" المجتمعي في البلدة القديمة أو نسوية، مؤسسة "شعاع" النسوية في بلدة شعفاط، أو سياحية، المجلس الأعلى للسياحة ، أو صحية ، اتحاد لجان العمل الصحي ، أو زراعية، اتحاد لجان العمل الزراعي ، أو صحفية، مؤسسة ايلياء للإعلام.
والعديد من المؤسسات، التي لم تغلق بقرار احتلالي، جرى تضيق الخناق عليها، عبر الإقتحامات المستمرة لمقراتها، وعمليات الدهم والتفتيش المتكررة، والإعتقالات بحق اعضاء إدارتها، وهذا شمل إدارات أكثر من نادي رياضي في المدينة ومؤسسة، نادي سلوان، نادي الهلال، مركز "يبوس"، المسرح الوطني الفلسطيني "الحكواتي" مركز ادوارد سعيد للفنون ..الخ.
مؤسسة برج اللقلق الرابضة في قلب البلدة القديمة من القدس، وعلى مساحة تسع دونمات ونصف، ثاني أكبر مساحة مفتوحة في البلدة القديمة بعد المسجد الأقصى، وكان تأسيسها في عام 1991 على أراضٍ ملاصقة للسور التاريخي للبلدة القديمة، وهي ليست مجرد مركز خدماتي، بل عنوان صمود مقدسي نشأ أصلًا لحماية الأرض من مخطط استعماري كان يستهدف إقامة 240 وحدة استعمارية، قبل أن تتصدى له شخصيات وطنية ومجتمعية مقدسية عبر التواجد الميداني والفعاليات الشعبية حتى تثبيت الملكية لعائلات مقدسية.
أكثر من ثلاثين عاماً مضى على تأسيسها، كانت بمثابة الحاضنة والمتنفس، للكثير من الأنشطة والفعاليات والمهرجانات واللقاءات والندوات، ليس فقط لسكان البلدة القديمة،وبالذات سكان باب حطة والأحياء المجاورة، بل كانت ملتقى وحاضنة لأنشطة مقدسية كثيرة ومتعددة ومتنوعة،رياضية بمختلف أنواعها، كرة قدم ،كرة طائرة، كرة سلة، والعاب قتالية، جودو وتايكوندو، ويكفي هنا أن نشير الى أنها كانت تحتضن دوري العائلات المقدسية لكرة القدم، قبل ان تتدخل أجهزة أمن الاحتلال، وتمنع استمرار إجرائه، وكذلك كانت تقام فيها أمسيات وافطارات رمضانية، منها اضاءة أكبر فانوس رمضاني، حيث تدخل الاحتلال ومنع هذا النشاط، ولا ننسى الأمسيات الفنية والتراثية والندوات الثقافية التي كان يحتضنها البرج.وكذلك برامج تمكين المرأة ،وتعزيز الهوية الوطنية لدى الشباب، ودعم ومساندة تجار البلدة القديمة.
قرار قوات الاحتلال بإغلاق مقر جمعية برج اللقلق المجتمعي في البلدة القديمة من القدس لمدة ستة أشهر، بعد اقتحامه وتسليم إدارته أمرًا بالإغلاق ثم لحام أبوابه ومنع الدخول إليه، يشكّل تصعيدًا خطيرًا في سياسة استهداف المؤسسات الوطنية المقدسية، وضربة مباشرة لحق أبناء المدينة في الحياة الكريمة، والتنمية المجتمعية، والمساحات الآمنة للأطفال والشباب.
جمعية "برج اللقلق" واحدة من أوسع المبادرات المجتمعية داخل أسوار البلدة القديمة، حيث يقدر عدد المستفيدين من مرافق الجمعية ما بين 300 -500 مشارك يومياً.
الاحتلال يستهدف من سياسة ملاحقة وإغلاق المؤسسات المقدسية، عدا بث سياسة الترهيب والخوف عند أبناء شعبنا، فهو يهدف الى تقويض المناعة الداخلية عند شعبنا، ومنع تلك المؤسسات من تقديم خدماتها للمقدسيين في المجالات المختلفة، رياضية وثقافية وفنية وتنموية وتمكينية، حتى يتسنى له ربط تلك الفئات من شعبنا،وخاصة الأطفال والشباب منهم، بمؤسسات تابعة للاحتلال، من أجل إعادة برمجة وعيهم والسيطرة على ذاكرتهم الجمعية، بما يحدث "خلخلة" و"اهتزازات" عميقة في مفاهيمهم وقناعاتهم، فيما يتعلق بحقوقهم وثوابتهم الوطنية.
ה 19 פבר 2026 9:42 am - שעון ירושלים





שתף את דעתך
الحرب على المؤسسات المقدسية في تصاعد مستمر وإغلاق مؤسسة "برج اللقلق" لن يكون الأخير