أفادت تقارير صحفية دولية بأن العلاقات السعودية الإماراتية تمر بمرحلة من التوتر المتصاعد الذي تجاوز حدود اللياقة الدبلوماسية المعتادة بين البلدين. وأشارت المصادر إلى أن النبرة الأخوية التي كانت تسيطر على البيانات الرسمية باتت تتناقض بشكل صارخ مع الواقع الميداني، خاصة بعد وقوع صدامات غير مباشرة في ملفات إقليمية شائكة.
وذكرت مجلة 'إيكونوميست' أن نقطة التحول الرئيسية بدأت تتبلور بوضوح في ديسمبر الماضي، حينما اتهمت الرياض أبوظبي بتهديد أمنها القومي وقامت بقصف شحنة أسلحة إماراتية في اليمن. هذا التصعيد العسكري المكتوم عكس عمق الخلاف حول النفوذ في شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي، مما جعل المصالح المشتركة في مهب الريح.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، يبدو أن قنوات التواصل المباشرة بين كبار المسؤولين في الدولتين قد تعطلت إلى حد كبير، حيث توقف الحوار الفعال وحل محله خطاب إعلامي حاد. وبحسب المصادر، فقد أُطلق العنان لمنصات إعلامية مدعومة من الدولتين لشن هجمات متبادلة، وهو أمر لم يكن معهوداً في ظل الرقابة الصارمة التي تفرضها عواصم الخليج عادة.
وفي السودان، تجلى الخلاف في دعم طرفي النزاع المسلح، حيث تقف السعودية إلى جانب الجيش السوداني، في حين تُتهم الإمارات بتقديم الدعم المالي والعسكري لقوات الدعم السريع. وترى الرياض في هذا التدخل تهديداً مباشراً لأمن البحر الأحمر، الذي تعتبره منطقة نفوذ حيوية لا تقبل القسمة على طرفين متنافسين.
أما في الملف اليمني، فقد أدى تحرك المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات للسيطرة على أراضٍ تابعة للقوات الموالية للسعودية إلى تفجير الموقف ميدانياً. وقد أجبرت الضغوط السعودية المجلس الانتقالي على التراجع، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لتقليص النفوذ الإماراتي في المحافظات الجنوبية والشرقية لليمن.
اقتصادياً، بدأت الشركات العاملة في المنطقة تشعر بوطأة هذا الخلاف من خلال عراقيل بيروقراطية مستحدثة وتأخيرات في منح تأشيرات العمل لموظفي الشركات التي تتخذ من الإمارات مقراً لها. كما رصدت مصادر دبلوماسية احتجاز شاحنات تجارية على الحدود البرية، مما يشير إلى استخدام الورقة الاقتصادية كأداة للضغط السياسي.
وتشير الأرقام إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين يصل إلى 31 مليار دولار سنوياً، وهو ما يجعل أي قطيعة اقتصادية مغامرة مكلفة للطرفين. ومع ذلك، فإن التنافس على جذب الاستثمارات الأجنبية وتحول الرياض إلى مركز إقليمي للأعمال قد زاد من حدة التوتر مع دبي التي هيمنت على هذا الدور لعقود.
الخلاف بين البلدين، مثل أي خصومة في الخليج، هو مزيج من الشخصي والسياسي، وقد تحول الآن إلى صراع سرديات علني.
وفي سياق المقارنات السيادية، يبرز التباين في الرؤى تجاه الإسلام السياسي والتعامل مع القوى الانفصالية في المنطقة، حيث تميل أبوظبي نحو استئصال التيارات الإسلامية تماماً. وفي المقابل، تبدي الرياض مرونة أكبر في استيعاب بعض الجماعات الإسلامية ضمن توازناتها السياسية، وهو ما يثير حفيظة الجانب الإماراتي.
كما يمتد الخلاف ليشمل الموقف من الاحتلال الإسرائيلي، حيث سلكت الإمارات مسار التطبيع الكامل في عام 2020، بينما لا تزال السعودية تضع شروطاً تتعلق بالحقوق الفلسطينية. هذا التباين في إدارة الملفات الحساسة أدى إلى نشوء 'صراع سرديات' يتهم فيه كل طرف الآخر بالارتهان لمصالح خارجية أو الوقوع تحت تأثير جماعات ضغط.
وعلى الرغم من استبعاد المحللين للوصول إلى حالة حصار شامل كما حدث مع قطر في عام 2017، إلا أن القلق يسود الأوساط الدبلوماسية من استمرار حالة 'اللا سلم واللا حرب'. ويرى خبراء أن العلاقات الاقتصادية المتجذرة قد تمنع الانهيار الكامل، لكنها لن تمنع استمرار المنافسة الشرسة في الساحات الدولية.
وفي تطور لافت، بدأت قطر التي كانت هدفاً للحصار سابقاً، في لعب دور الوسيط لتقريب وجهات النظر بين الرياض وأبوظبي. وقد أجرى أمير قطر لقاءات مكثفة في فبراير الجاري شملت وزير الدفاع السعودي ورئيس دولة الإمارات، في محاولة لنزع فتيل الأزمة قبل فوات الأوان.
وتشارك دول أخرى مثل مصر والبحرين وتركيا في جهود دبلوماسية هادئة لاحتواء الموقف، نظراً لما يمثله استقرار الخليج من أهمية للأمن القومي العربي. ومع ذلك، تؤكد التقارير أن هذه الجهود لم تحقق تقدماً ملموساً حتى الآن، في ظل تمسك كل طرف بمواقفه الاستراتيجية في ملفات النزاع الإقليمية.
ويرى مراقبون أن الإمارات، التي تمتلك جيشاً يتسم بالكفاءة واقتصاداً متنوعاً، لم تعد ترغب في لعب دور 'الشريك الأصغر' للسياسة الخارجية السعودية. هذا التحول في الهوية السياسية الإماراتية يصطدم مع الرؤية السعودية الجديدة التي تسعى لترسيخ قيادتها المطلقة للمنطقة العربية والخليجية.
ختاماً، يبقى التساؤل حول مدى قدرة البلدين على الفصل بين التنافس الاقتصادي المشروع والصدام السياسي الذي قد يحرق الأخضر واليابس في ملفات مشتعلة أصلاً. إن استمرار هذا الخلاف قد يؤدي إلى إعادة رسم خارطة التحالفات في الشرق الأوسط، بما يخدم قوى إقليمية أخرى تراقب المشهد عن كثب.





שתף את דעתך
إيكونوميست: تصدع 'حجر الزاوية'.. الخلاف السعودي الإماراتي ينذر بعواقب وخيمة على المنطقة