تتجلى إشكالية التعامل مع القضايا الكبرى في العقل العربي والإسلامي من خلال الارتهان لسياسات ردود الأفعال، حيث تحركنا الأحداث الغربية سواء بالتصنيف أو الاتهام لنبادر بخطاب دفاعي متراجع. إن غياب الفعل الاستراتيجي التأسيسي يجعل الخطاب الإسلامي يدور في فلك الدفاع عن النفس بدلاً من صياغة رؤية نقدية متكاملة تتحرك بوعي في فضاء العلاقات الدولية والإقليمية.
إن الإدراك المفاهيمي القاصر ينطلق غالباً من تصورات خاطئة حول وسطية الإسلام، حيث يتم استدعاء مفاهيم الرحمة والسماحة فقط عند الاتهام بالإرهاب. هذا الموقف يحول المفكرين والعلماء إلى مجرد محامين يدافعون عن متهم، مما يغذي صناعة 'الإسلاموفوبيا' التي صممتها مراكز أبحاث غربية كبرى لترسيخ عقدة النقص لدى الأمة.
لقد لعبت مراكز الدراسات الاستراتيجية في الغرب، مثل مركز 'جون إم. أولين' في هارفارد، دوراً محورياً في صناعة هذه العقدة عبر نظريات 'صدام الحضارات' و'نهاية التاريخ'. هذه الأطروحات لم تكن مجرد نتاج فكري، بل كانت أدوات منهجية لاستدراج المسلمين إلى دوائر الاتهام والتجريم الدائم، مما يبقيهم في حالة مراوحة فكرية لا تنتهي.
جاءت معركة 'طوفان الأقصى' لتكشف الوجه الحقيقي للحضارة الغربية وانخراطها الكامل مع الكيان الصهيوني في ارتكاب أبشع جريمة إبادة جماعية في التاريخ الحديث. هذه اللحظة الفارقة فضحت السيطرة الغربية على المؤسسات الأممية، وكشفت عن خطاب عنصري فاشي يتجاوز كل الشعارات البراقة حول حقوق الإنسان والقيم الكونية.
بالتوازي مع العنف العسكري، سقطت الحضارة الغربية أخلاقياً في ملفات كبرى مثل فضيحة جزيرة 'إبستين'، التي كشفت تورط نخب سياسية وفنية وأكاديمية في ممارسات تتنافى مع الفطرة الإنسانية. هذا السقوط المدوّي يثبت أن الحضارة الغالبة بزخرفها الحالي تفتقر إلى القيم الحقيقية، وتعتمد بدلاً من ذلك على تحالفات مادية ضد حقيقة الإيمان والعمران.
إن القصور الأكبر يكمن في عدم قدرة النخب الإسلامية على استغلال هذه اللحظات الكاشفة لتقديم خطاب حضاري بديل يتسم بالأستاذية والقدرة على قيادة الإنسانية. بدلاً من ذلك، ظل الاهتمام محصوراً في الدفاع عن فصائل بعينها، مما استنزف الطاقات الذهنية في زوايا ضيقة لا تسمح بالخروج إلى فضاء التأصيل الاستراتيجي الشامل.
يبرز 'العنف الهيكلي' كأحد أخطر الظواهر الكامنة في السياقات المجتمعية، حيث تمارس الأنظمة السلطوية عنفاً غير مسبوق ضد المعارضين عبر الأدوات الأمنية والبوليسية. هذا النوع من العنف لا يحقق الاستقرار كما تظن السلطة، بل يشكل مشاتل حقيقية لتوليد عنف مستقبلي محتمل نتيجة الكبت والظلم الممنهج.
إن معركة طوفان الأقصى كشفت مدى انخراط الغرب ورأس حربته المتمثلة في الكيان الصهيوني في ارتكاب جريمة إبادة جماعية فاضحة، تلازمت مع سيطرة مطلقة على الأدوات الدولية.
تمثل السجون في بعض الدول العربية، وخاصة في التجربة المصرية، بيئات خصبة لصناعة العنف المستقبلي بسبب سياسات الإذلال والجمع بين المعتقلين السياسيين والجنائيين. إن تكميم الأفواه وبناء السجون الجديدة يعكس استراتيجية أمنية قاصرة لا تدرك المتغيرات الاجتماعية والثقافية التي تتفاعل تحت السطح.
لقد أثرت عسكرة الثورات العربية بشكل خطير على مسارات التغيير، حيث تحولت المواجهات إلى صراعات مسلحة استغلها العسكر للاستئثار بالسلطة وإجهاض الحراك الشعبي. الحالة المصرية بعد أحداث يوليو تعد نموذجاً واضحاً لكيفية الالتفاف على الثورات بغطاء شعبي مصطنع وتخطيط من قوى الثورة المضادة.
في المقابل، أدى تسليح الثورات في دول مثل سوريا وليبيا واليمن إلى بروز لغة السلاح كمعادلة وحيدة للتغيير، مما فتح الباب واسعاً للتدخلات الخارجية والقوى الإقليمية. هذا الاستدراج لحالة الحروب الداخلية مكن الأنظمة المستبدة من استخدام القوة المفرطة والتهجير القسري تحت دعاوى مكافحة الإرهاب.
ارتكبت الحركات الإسلامية جملة من الأخطاء الاستراتيجية خلال مسيرة الثورات، تمثلت في المقايضات والمساومات التي خضعت لتقديرات خارجية غير دقيقة. هذه الأخطاء شكلت منافذ للتدخل الدولي وأسهمت في إضعاف الزخم الثوري، مما أدى في النهاية إلى تعزيز قبضة الاستبداد في طبعته الجديدة.
إن العلاقة بين الداخل والخارج في ظواهر التغيير لا يمكن الفصل بينهما، فالتدخل الخارجي لا يتمكن من اختراق المجتمعات إلا بمقدار ما يسمح به الضعف الداخلي. هذا يذكرنا بقانون الغلبة لابن خلدون، حيث يظل المغلوب مولعاً بتقليد الغالب، وهو ما نراه في ظواهر التبعية والذيلية الفكرية والسياسية.
يجب أن تتحول هذه التجارب القاسية إلى 'مشاتل للتغيير' نتعلم منها دروس الخطأ والصواب، فالمختبر الحقيقي للأمم يتسع بحجم الأحداث وعمق تأثيرها. إن الوعي الناضج يتطلب تفكيك ظاهرة العنف وسياقاتها المختلفة، والتحرر من ضغوط 'الإسلاموفوبيا' التي يسعى الغرب لتكريسها كأداة للهيمنة.
ختاماً إن التدافع الحضاري يتطلب العودة إلى أصول الرؤية التوحيدية الاستخلافية التي تربط بين الإيمان والعمران، بعيداً عن الصور السلبية التي تحاول ربط الإسلام بالعنف. إن الاستقامة على منهج الوعي والسعي الراشد هي السبيل الوحيد لإخراج الأمة من زاوية الاتهام إلى فضاء الفعل الحضاري المؤثر.





שתף את דעתך
بين الذات الحضارية وعنف الغرب: قراءة في مشاتل التغيير ومعضلات الخطاب الدفاعي