حين يعلن عن الانتخابات تحت لافتة الاصلاح، ففي ذلك رسالة سياسية للخارج قبل الداخل، عن القدرة على تجديد الشرعيات وتحسين الأداء، لكن ما يحدث عبر القوائم التوافقية، لا يفرغ الانتخابات من معناها فقط، بل يحولها الى لائحة اتهام، فحين تحسم النتائج في المقاهي، يصبح صندوق الاقتراع اكسسوارا، والديمقراطية معاملة خاصة لا حق عام، وهنا لا نتحدث عن ترتيبات ادارية، بل عن اعادة تعريف شاملة، فالمواطن لا يختار، بل يبارك ما قررته شبكات المصالح والنفوذ.
خطورة ذلك تمتد من الشرعية والمجتمع الى الصورة العامة لفلسطين، فالانتخابات ليست مجرد اجراء، بل عقد اجتماعي يعيد انتاج الثقة، ويقيس حجم التمثيل، وحين تستبدل المنافسة بالتزكية المشروطة، تتحول الشرعية الى ديكور. قانون الانتخابات شدد على الحرية والسرية والشخصية، وترك نافذة للتزكية في حالات محددة جدا، هذه النافذة تحولت الى بوابة، والاستثناء بات قاعدة، فدفع البعض نحو قائمة واحدة عبر ضغوط حزبية وعائلية، او توازنات مصالح، وقدم ما لم يكن اجماعا على انه اجماع.
حتى لو نظر الى التوافق كمخرج من الانقسامات المحلية في الظروف الطبيعية، الا انه يصبح اشكالا في ظروف ما تحت الاحتلال، فالحكم المحلي يشكل خط الدفاع الاول، من الامن الغذائي والمائي، الى الصمود والإغاثة، ومن حماية الاراض الى ادارة الازمات اليومية، خاصة في ظل الازمة المالية الخانقة، او ما يشبه الشلل الحكومي، ما يجعل من البلدية اكثر من مجرد مقدمة خدمة، بل رافعة صمود، وحين تصل قيادتها عبر وسطاء، لا عبر الصندوق، تصبح ضعيفة، بعيدة عن الشارع، واقرب الى شبكات النفوذ، فتعيد انتاج ثقافة التبعية، ما يجعل قادتها مدينين للوسطاء، لا للناخبين، فيميلون للمهادنة بدل الاشتباك مع مشاكل الناس الحقيقة، ويسعون لإرضاء الوسطاء، لا لبناء شرعيتهم عبر الشفافية وحسن الاداء، او تكريس ثقافة المساءلة.
الحقيقة التي يدركها من يتابع المشهد، ان هذه التوافقات ليست سوى اداة للتهرب من الاختبار الحقيقي، فهناك من يستعيض عن المنافسة بترتيبات جانبية، تحفظ له حضوره ونفوذه، وتؤجل مواجهة سؤال التمثيل، في ظل ادراك متزايد بان المزاج الشعبي لم يعد مضمون النتائج. التوافق بهذه الصيغة يتحول الى وباء اجتماعي فتاك، يجعل من الخبرات والكفاءات فائضة عن الحاجة، لا لشيء، الا لان معيار الاختيار يقوم على الولاء لا الكفاءة، والقرابة لا القدرة، والتعيين لا الانتخاب، ومع الوقت يتحول الاحباط الى عزوف عن العمل العام، ثم لاحقا عداء له، ما يفتح الباب امام امراض اجتماعية اخطر، فيصبح من السهل تفكيك هذه المجتمعات، او جعلها قابلة للانفجار الداخلي، واقل قدرة على التنظيم ومواجهة صدمات الاحتلال المتوالية.
ولا يقف الامر عند ذلك، بل يطال صورة فلسطين عالميا، فالخطاب الفلسطيني قدمها كمشروع دوله تحت احتلال، وطالب بالحماية والاعتراف والدعم، لكن العالم عموما، ومنهم المانحون او المؤسسات الدولية خصوصا، ما عادوا ينظرون الى عدالة القضية فقط، بل والى الحوكمة ايضا، فحين تؤجل الانتخابات مرارا وتكرارا، او تتحول الى ترتيبات مسبقة، فتلك ليست مجرد دعاية مضادة، بل وصفة جاهزة لخلط الاوراق، وربط الدعم بشروط اشد، وربما تبرير الالتفاف على المؤسسات الفلسطينية، وبالتالي تحويل القضية من تحرر وطني الى ملف اداري.
الاكثر مرارة ان هذا يحدث بينما الهجمة على الضفة تتصاعد، والسكوت الرسمي بات سياسة، او جزءا من المشهد، وبالتالي فان تدمير مناعة الحكم المحلي ليس خطأ اداريا فحسب، بل وخطرا على الامن المجتمعي، فحين تضعف المؤسسات، تضعف القدرة على الصمود، ويصبح الخلاص خيارا فرديا، لا فعلا جماعيا، وهو بالضبط ما يسعى له الاحتلال، مجتمع مجزأ، وقيادات بلا تفويض حقيقي، ونزاعات داخليه تستنزف الطاقات والموارد، بدل ان تصهرها في بوتقة واحدة لمواجهة الاخطار الداهمة.





שתף את דעתך
الديمقراطية الفلسطينية: بين الصندوق والصفقة