تطرح التطورات السياسية الأخيرة تساؤلات جوهرية حول طبيعة الإمبريالية الجديدة التي تتشكل ملامحها اليوم، وهل هي مجرد استمرار للنهج القديم أم انحطاط أخلاقي يتجاوز كل الحدود السابقة. إن ما كشفته وثائق الملياردير جيفري إبستين، التي تجاوزت ثلاثة ملايين وثيقة، يعري الوجه الحقيقي لنخب غربية انغمست في ممارسات سادية وجرائم اتجار بالبشر بعيداً عن شعارات الديمقراطية والعدالة.
هذا الحدث يمثل وحشية الغرب الذي أسقط الأقنعة عن مكنوناته الغريزية وشهوات نخبه، حيث يتم استغلال القاصرين والفقراء تحت حماية رأس المال والنفوذ السياسي. إن الحصانة التي يتمتع بها هؤلاء تمنع وصول يد العدالة إليهم، مما يجعل الفئات الضعيفة ضحايا لنزوات حيوانية تفتقر لأدنى القيم الإنسانية أو المعايير الأخلاقية المتعارف عليها.
يتجلى التحالف بين رأس المال الإجرامي والنخب السياسية كسمة بارزة للإمبريالية الجديدة التي تتستر خلف ليبرالية متوحشة وقيم مزيفة. الحقيقة الصادمة تظهر في تساؤلات أقطاب هذا النظام حول كيفية التخلص من الفقراء، والتعامل معهم كنفايات بشرية يجب إزاحتها من طريق المصالح الاقتصادية الكبرى والتوسعية.
لقد وجدت هذه القوى المتنفذة في الانقضاض على الشعوب ومصادرة ثرواتها سبيلاً لتحقيق أهدافها، حيث تمارس كافة أشكال الإبادة والسيطرة على السيادة الوطنية للدول. وما تشهده غزة من مجازر إبادة وتطهير عرقي، خلفت عشرات آلاف الشهداء والجرحى، ليس إلا شاهداً حياً على هذه الأيديولوجيا السادية التي لا تقيم وزناً للحياة البشرية.
تمتد مظاهر هذه 'البلطجة' الدولية لتشمل قرصنة سياسية غير مسبوقة، كما حدث في واقعة اختطاف رئيس دولة فنزويلا وزوجته تحت مبررات واهية تتعلق بمكافحة المخدرات. المفارقة تكمن في أن هذه النخب هي ذاتها التي ترعى وتستخدم هذه الوسائل للإيقاع بضحاياها في أماكن مشبوهة ارتبطت بأسماء قادة سياسيين بارزين من مختلف دول العالم.
لم تكن تلك المواقع الجغرافية مجرد أماكن لإشباع الرغبات، بل تحولت إلى مسارح سياسية واقتصادية لابتزاز القادة وأصحاب القرار بغية توجيه سياساتهم لخدمة أجهزة مخابراتية. وقد أشارت وثائق وزارة العدل الأمريكية مؤخراً إلى ارتباطات وثيقة بين إبستين والموساد، مما يعزز فرضية استخدام الفضائح كأداة للسيطرة السياسية الدولية.
انتقلت الإمبريالية الجديدة من سياسات الاحتواء الباردة إلى نهج 'السلام بالقوة' والهيمنة المباشرة، وهو ما يجسده دونالد ترامب في تعامله مع الحلفاء والخصوم على حد سواء. تهديداته بضم كندا أو السيطرة على جرينلاند تعكس عقلية 'قيصر العالم الجديد' الذي يرى نفسه في مهمة تاريخية لتغيير خارطة النفوذ العالمي وفق رؤيته الخاصة.
إن التحالف بين رأس المال السادي والإجرامي مع النخب أصحاب النفوذ السياسي والاقتصادي، يعبر عن السمة الأولى للإمبريالية الجديدة المتوحشة.
يتحرك ترامب في اتجاهات متعددة تشبه الهذيان السياسي، من الرغبة في السيطرة على قناة بنما إلى تغيير مسميات جغرافية راسخة مثل خليج المكسيك. هذه التحركات تترافق مع استمرار الحصار على كوبا وتهديد دول أمريكا اللاتينية المعارضة لسياساته، في محاولة لفرض إرادة أحادية الجانب على المجتمع الدولي.
فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ينظر ترامب إلى قطاع غزة كفرصة استثمارية عقارية، واصفاً إياها بـ 'ريفيرا الشرق' نظراً لموقعها الاستراتيجي وشواطئها. هذا الاختزال للمعاناة الإنسانية والمأساة الوطنية في قوالب استثمارية يعكس مدى الانحطاط الأخلاقي والسيكولوجي الذي وصلت إليه هذه الرؤية الإمبريالية تجاه حقوق الشعوب.
يتسم الخطاب الترامبي بالتعالي والسخرية من القادة الأوروبيين، حيث لا يسلم من انتقاداته هندام زيلنسكي أو مظهر ماكرون، بينما يذكر أوروبا دائماً بفضل الحماية الأمريكية. يرى ترامب أن القارة العجوز كانت ستتحدث الألمانية لولا التدخل الأمريكي، وهو منطق يهدف لابتزاز القارة اقتصادياً وعسكرياً تحت غطاء الحماية.
تسعى هذه الإمبريالية للسيطرة المطلقة عبر الأنشطة المالية ومضاربات الأسواق وإغراق الدول بالديون، لضمان التحكم بممرات التجارة العالمية وزيادة إنتاج السلاح. كما تعمل على دعم أنظمة ديكتاتورية تضمن مصالحها تحت مسميات الاستثمار والتنمية، مما يؤدي إلى تماهٍ كامل بين سلطة المال والقرار السياسي السيادي.
أصبحت الدولة في هذا النموذج طيعة بيد أصحاب رؤوس الأموال، على عكس المفاهيم الكلاسيكية التي كانت ترى في الدولة أداة سيطرة طبية مستقلة نسبياً. هذا الاندماج العميق يجعل من رأس المال المحرك الفعلي لمصير الشعوب، ويفرض أجندات تخدم فئة محدودة من المتنفذين على حساب المصلحة العامة الدولية.
تبرز العنصرية و'الأمركة' كسمات أساسية لهذا النهج، حيث يتم رفع شعارات 'أمريكا أولاً' لتبرير التغول على مقدرات الشعوب الأخرى وثرواتها الوطنية. وتتجلى هذه العنصرية في الإجراءات القمعية ضد المهاجرين ومحاولات حظر مواطني دول معينة، مما يعزز الانقسام العالمي ويغذي مشاعر الكراهية والتمييز.
يبقى السؤال قائماً حول ما إذا كان هذا التغول سيؤدي إلى ولادة عالم متعدد الأقطاب قادر على المواجهة، أم أننا أمام انهيار وشيك لهذه الظاهرة بعد توالي الفضائح. إن المستقبل مرهون بمدى قدرة الشعوب والقوى الدولية على كبح جماح هذا النظام العالمي الجديد الذي يكشر عن أنيابه لالتزام المزيد من مقدرات العالم.





שתף את דעתך
الإمبريالية الجديدة في عهد ترامب: تحالف رأس المال السادي والنفوذ السياسي