ב 16 פבר 2026 9:59 am - שעון ירושלים

فلسطين: اختبار إفريقيا الأصعب

لم يكن ترمب حدثا عابرا في مسار السياسة الدولية، بل لحظة كشفت انهيار نظام كان يتفكك منذ عقود، فنزع القناع عن نظام عالمي فقد بوصلته الأخلاقية، وحوّل القانون الدولي من مرجعية ملزمة الى خيار انتقائي، انسحب من اتفاقات وهاجم منظمات ولوح بتفكيك تحالفات ودول، وشرعن منطق الصفقات بدل العدالة، وأعاد تعريف السيادة كامتياز للأقوياء، لا عقدا جماعيا بين الدول.
 هذا التحول لم يبق محصورا في واشنطن، وسرعان ما انتقلت عدواه الى العالم، من غزة الى لبنان، ومن الساحل الإفريقي الى بحر الصين الجنوبي، فباتت القوة هي اللغة المشتركة، والاحتلال قابلا للتطبيع، والابادة خلاف سياسي، وفي خضم هذا المشهد، يبدو الاتحاد الإفريقي مرآة دقيقة لعجز دول الجنوب العالمي، اتحاد ولد من رحم حركة تحرر امتدت لعقود، يضم خمسة وخمسين دولة وأكثر من مليار ونصف من البشر، لكنه عاجز عن تحويل هذا الثقل الى نفوذ فعلي، قممه الاخيرة اظهرت هذا التناقض بوضوح، بيانات تدين العدوان على غزة، وترفض التهجير القسري، وتطالب بعضوية فلسطين في الأمم المتحدة، لكنها بقيت بلا أثر فعلي على الأرض.
 رمزية منع الاحتلال من حضور جلسته الافتتاحية في فبراير 2024، وسحب صفة المراقب التي منحت له عام 2021 بعد عقد من الجهود الدبلوماسية لا تغير حقيقة أساسية، فالاحتلال لا يخشى البيانات طالما الفيتو الاميركي حاضر، والسلاح يتدفق، وجيشه يتمتع بالحصانة.
 هذا العجز الإفريقي يناقض ارث قادة أفارقة كبار، فهموا مبكرا طبيعة الاستعمار، من "مانديلا" الذي قال إن حرية جنوب إفريقيا تبقى ناقصة ما لم يتحرر الفلسطينيون، الى "نكروما" الذي كان يرى ان الاستقلال السياسي بلا وحدة قارية وتحرر اقتصادي ليس سوى وهم، محذرا من استعمار يغير شكله، لكنه لا يرحل، الى "لومومبا" الذي دفع حياته ثمنا لتحذيره من امبريالية تعيد انتاج نفسها عبر الانقلابات والديون، وجيفارا القارة الإفريقية، "سانكارا"، الذي رأى ان من يتحدث عن حقوق الانسان وهو يدعم الاحتلال، كاذب، معتبرا ان الديون والاستعمار وجهان لذات العملة، الى "عبد الناصر" الذي اعتبر ان فلسطين ليست قضية حدود، بل قضية تحرر شامل.
 ما كان يجمع هؤلاء القادة ليس الخطابات، بل الفهم العميق لبنية القوى العالمية، فأدركوا بان النظام الدولي لم يصمم لتحقيق العدالة، بل لإدارة مصالح القوى الكبرى، فمجلس الأمن ليس سوى غرفة تحكم، وترمب حين اعترف بالقدس عاصمة للاحتلال، وبارك ضم الجولان، وشرعن ذبح غزة وتجويعها، وتدمير لبنان، لم يخرج عن هذا المنطق، بل ازاح عنه آخر ستار أخلاقي.
 القارة الإفريقية تعي هذا جيدا، فتاريخها مع الاستعمار لم ينته، بل تغيرت ادواته، من الوجود العسكري الى الديون والشروط وتفكيك الدول ونهب ثرواتها، لذلك فالتضامن مع فلسطين ليس مسألة اخلاقية فقط، بل امتداد لصراع القارة مع ذات المنظومة.
 والسؤال اليوم ليس ماذا تقول قمة "اديس ابابا"، بل ماذا تفعل؟ إفريقيا تملك أوراقا حقيقية لو قررت واستطاعت استخدامها، واولها ربط الشراكات الاقتصادية مع الشمال العالمي بمواقفه من فلسطين، وبناء تحالفات مع قوى صاعدة خارج المدار الغربي، لكنها تحتاج قبل ذلك الى ارادة سياسية ونخب تعيد تعريف دور القارة من متلق للقرارات الى صانعها، والاهم، بناء خطاب تحرري يعيد ربط فلسطين بتاريخ القارة الاستعماري، وجعله جزءا من معركتها ضد الاستعمار الحديث.
 ما أبقاه ترمب ليس فقط عالم بلا قواعد او أخلاق، بل بلا ذاكرة ايضا، واستعادتها هو الشرط الأول لإعادة السياسة الى معناها، وتحويل التضامن من بيان موسمي الى فعل تاريخي.

תגים

שתף את דעתך

فلسطين: اختبار إفريقيا الأصعب

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.