تغوص رواية "المسحورة" للكاتبة المصرية رشا سمير في أعماق واحة سيوة، تلك البقعة النائية القابعة قرب الحدود الليبية، لتقدم نصاً أدبياً يمزج بين سحر الجغرافيا وعراقة التقاليد الأمازيغية. وصدرت الرواية عن الدار المصرية اللبنانية، لتشكل جسراً إبداعياً يربط بين جبال الأطلس المغربية وقلب الصحراء الغربية في مصر.
كشفت الكاتبة رشا سمير، وهي طبيبة أسنان احترفت الأدب أن شغفها بالرحلات والأمكنة هو ما قادها لكتابة هذا العمل. وأوضحت في حوار ثقافي أن زيارتها للمغرب كانت الشرارة الأولى التي جذبتها للحضارة الأمازيغية، مما دفعها للبحث عن جذور هذا التراث في الداخل المصري.
استغرق إنجاز الرواية أربعة أعوام من البحث والكتابة، تخللتها أربع زيارات ميدانية لواحة سيوة لمعاينة الواقع على الأرض. وأكدت الكاتبة أنها اضطرت لإعادة كتابة أجزاء واسعة من النص بعد احتكاكها المباشر بالأهالي وفهم طبيعة مجتمعهم المنغلق والفريد.
واجهت الكاتبة في البداية نوعاً من الاستغراب من سكان الواحة الذين تساءلوا عن غايتها من التواجد بينهم وتدوين تفاصيل حياتهم. ومع مرور الوقت، نجحت في بناء صداقات متينة مع الأهالي، مما مكنها من اختراق حاجز الصمت والتعرف على قصصهم المسكوت عنها.
تحتل المرأة مكانة مركزية في سردية "المسحورة"، حيث تبرز شخصية "تاليس" الشابة المتمردة التي تبحث عن حريتها بعيداً عن قيود التقاليد. وتمثل تاليس القادمة من جبال الأطلس نموذجاً للقوة والاستقلالية في مواجهة مجتمع سيوة المحافظ الذي لم يتغير كثيراً منذ عقود.
إلى جانب تاليس، تظهر شخصية "مبروكة"، الأرملة السيوية التي تعكس واقع النساء في الواحة خلال عشرينيات القرن الماضي. وتبرز الرواية التشابه الكبير في تقاليد الزواج والطلاق بين المجتمعين الأمازيغيين في المغرب ومصر، رغم المسافات الجغرافية الشاسعة بينهما.
تسلط الرواية الضوء على طبقات المجتمع السيوي، ومنها طبقة "الزقالة" التي يمثلها شخصية "رحيّم"، وهم العمال الذين يخدمون طبقة "الأجواد". وأشارت الكاتبة إلى دهشتها من استمرار وجود هذه التقسيمات الاجتماعية والتقاليد المرتبطة بها حتى يومنا هذا في بعض أرجاء الواحة.
المكان هو البطل الرئيسي في الرواية، وقد تعمدت ملء النص بالتفاصيل التوثيقية تخليداً لواحة سيوة التي سحرتني.
يدخل العنصر الأجنبي في الرواية من خلال شخصية الإيطالي "ليوناردو"، الذي يصل إلى سيوة مدعياً أنه صحفي يوثق الطبيعة. ومع تصاعد الأحداث، تكتشف الشخصيات أن ليوناردو يحمل أجندات خفية وأسراراً تغير مسار الحكاية، مما يضفي طابعاً من الغموض والتشويق على النص.
لم تغب الأسطورة عن صفحات الرواية، بل كانت حاضرة بقوة كجزء لا يتجزأ من لغة سكان الواحة وتفكيرهم. واستعارت الكاتبة أساطير محلية تتحدث عن دفن جثة الإسكندر الأكبر في سيوة، ووجود خاتم الملك سليمان في سراديبها السرية، لتعزيز المناخ السحري للعمل.
اختارت رشا سمير عام 1926 إطاراً زمنياً لأحداثها، وهو العام المعروف تاريخياً بـ"عام المطر الكبير" في سيوة. وشهد ذلك العام هطول أمطار غزيرة غير مسبوقة أدت إلى تدمير قلعة "شالي" الأثرية، مما جعل من الزمان والمكان بطلين متلاحمين في الرواية.
تؤكد الكاتبة أن طغيان تفاصيل المكان على الشخوص كان خياراً واعياً، حيث اعتبرت سيوة هي البطل الحقيقي الذي يستحق التوثيق. ويهدف العمل إلى تخليد تفاصيل الواحة التي قد تتوارى خلف غبار الزمن، وهو ما دفع الكثير من القراء لزيارتها بعد قراءة الرواية.
تطرقت الرواية أيضاً إلى تقاليد جنائزية قاسية مثل "الغولة"، وهي فترة حداد تفرض على الأرملة في سيوة وتتسم بالعزلة التامة. ورغم التطور الذي طرأ على الحياة، إلا أن الكاتبة لاحظت بقاء أثر هذه العادات في الوجدان الشعبي لسكان المنطقة.
أعربت رشا سمير عن فخرها بلقب "سفيرة سيوة في الوطن العربي" الذي منحه إياها أهالي الواحة تقديراً لجهودها الأدبية. واعتبرت أن حضور أهالي سيوة لحفل توقيع الرواية في القاهرة هو أكبر دليل على نجاحها في ملامسة واقعهم وصدق تمثيلها له.
في ختام مقاربتها الأدبية، تركت الكاتبة نهايات الرواية مفتوحة على احتمالات الأسطورة، منحازة للخيال الذي يغلف الواحة. وتظل "المسحورة" وثيقة أدبية وإنسانية تحتفي بالتنوع الثقافي الأمازيغي وتصون ذاكرة مكان يرفض النسيان رغم قسوة الظروف الطبيعية والتاريخية.





שתף את דעתך
"المسحورة".. رحلة أدبية في ذاكرة سيوة وأساطير الأمازيغ المنسية