تتصاعد حدة التداعيات الناتجة عن تسريب وثائق وزارة العدل الأمريكية المتعلقة بالملياردير الراحل جيفري إبستين، حيث كشفت ملايين الصفحات عن تغلغل غير مسبوق للمدان بجرائم جنسية داخل أروقة الجامعات الأمريكية الكبرى. وأظهرت المستندات المالية والمراسلات المسربة أن إبستين نجح في بناء شبكة مصالح معقدة شملت أساتذة بارزين ومانحين استراتيجيين في مؤسسات عريقة مثل هارفرد وييل وكولومبيا.
وفي استجابة سريعة لهذه التطورات، أعلنت جامعة هارفرد عن توسيع نطاق تحقيقاتها الداخلية لتشمل كبار المانحين الذين وردت أسماؤهم في الملفات الفيدرالية الجديدة. وأكد المتحدث باسم الجامعة أن المراجعة لن تقتصر على الأكاديميين والإداريين فحسب، بل ستطال شخصيات مالية نافذة ارتبطت بإبستين، في محاولة لاستعادة الثقة في نزاهة المؤسسة التعليمية الأقدم في الولايات المتحدة.
وتشير الوثائق إلى أن إبستين استخدم التبرعات المالية كجسر للعبور إلى الدوائر الضيقة لصناع القرار الأكاديمي، حيث قدم مئات الآلاف من الدولارات لمراكز بحثية تحت إشراف مانحين كبار. ومن أبرز هذه الشخصيات رجل الأعمال أندرو فاركاس، الذي وصف نفسه في إحدى المراسلات بأنه من 'أفضل أصدقاء' إبستين، وقام بتنسيق تبرعات كبيرة لصالح معاهد تابعة للجامعة.
ولم تتوقف الفضيحة عند حدود التبرعات، بل امتدت لتطال السلوك المهني لأساتذة ورؤساء جامعات سابقين، وعلى رأسهم لورانس سامرز رئيس هارفرد الأسبق ووزير الخزانة السابق. وكشفت المراسلات عن علاقة وثيقة بين الطرفين تضمنت استشارات شخصية وعاطفية، مما دفع سامرز للاعتذار علناً ووصف استمرار علاقته بإبستين بأنه 'خطأ فادح في التقدير'.
وفي جامعة كولومبيا، أقرّت الإدارة بوجود تجاوزات في معايير القبول داخل كلية طب الأسنان، حيث تم تمرير طلبات التحاق لأشخاص مقربين من إبستين عبر 'عملية غير منتظمة'. وأعلنت الجامعة عن اتخاذ إجراءات عقابية بحق مسؤولين تورطوا في هذه التفاعلات التي لا تفي بمعايير النزاهة والاستقلالية الأكاديمية المتبعة.
وكخطوة رمزية وقانونية، قررت جامعة كولومبيا التبرع بمبالغ تعادل ما تلقته من جهات مرتبطة بإبستين لصالح منظمات خيرية تدعم ضحايا الاعتداء الجنسي والاتجار بالبشر. تهدف هذه الخطوة إلى فك الارتباط الأخلاقي مع 'الأموال الملوثة' التي دخلت خزينة الجامعة عبر قنوات التمويل المشبوهة التي أدارها إبستين لسنوات.
أما في جامعة ييل، فقد تم إيقاف أستاذ علوم الحاسوب ديفيد غيلرنتر عن التدريس بشكل مؤقت، وذلك بعد ظهور مراسلات بريد إلكتروني تظهره وهو يقدم توصيات لطلاب بناءً على معايير غير أكاديمية في تواصله مع إبستين. وأكدت الجامعة التزامها ببيئة تعليمية يسودها الاحترام، مشددة على رفضها لأي سلوك يقوض كرامة الطلاب أو معايير التوصية المهنية.
قضية إبستين تقوض نزاهة البحث العلمي، عندما يتمكن الأفراد من انتقاء مسارات البحث التي تناسبهم لمجرد قدرتهم على تمويلها.
وتكشف الوثائق أيضاً عن هوس إبستين بالعلوم المثيرة للجدل، حيث سعى لتمويل أبحاث تتعلق بـ 'الأساس الجيني للسلوك البشري' وعلم تحسين النسل. واستخدم إبستين ثروته لإنشاء برامج بحثية في هارفرد مثل برنامج 'ديناميكيات التطور'، الذي تلقى تمويلاً بقيمة 6.5 مليون دولار، وكان يخصص مكتباً دائماً لإبستين داخل مبنى الجامعة.
وامتدت آثار الفضيحة لتشمل جامعات ديوك وأريزونا وكاليفورنيا، حيث تم إغلاق مراكز بحثية وإلغاء مؤتمرات علمية كبرى بعد اكتشاف ارتباط منظميها بشبكة إبستين. وأبدى العديد من العلماء ندمهم الشديد على قبول تمويلات من الملياردير المدان، معتبرين أن تواصلهم معه كان يهدف لتأمين موارد للبحث العلمي دون إدراك لحجم جرائمه.
وتطرح هذه التطورات تساؤلات جوهرية حول كيفية تمكن شخص مدان بجرائم أخلاقية من التحول إلى 'وسيط نفوذ' داخل أرقى المؤسسات العلمية في العالم. ويرى مراقبون أن القضية تسلط الضوء على ثغرات خطيرة في أنظمة الرقابة على المانحين، حيث تم تغليب المصالح المالية على المبادئ الأخلاقية والنزاهة الأكاديمية.
وفي سياق متصل، أشارت تقارير إلى أن إبستين كان يحتفظ بقائمة تضم نحو 30 عالماً بارزاً من مختلف التخصصات، كان يسعى لربطهم بمشاريعه الغامضة. ومن بين هؤلاء علماء في الفيزياء النظرية وعلم الوراثة، الذين وجدوا أنفسهم الآن في مواجهة تحقيقات إدارية وضغوط اجتماعية تطالب بمحاسبتهم على هذا الارتباط.
وتؤكد الوثائق أن إبستين لم يكن مجرد مانح سلبي، بل كان يتدخل في تفاصيل دقيقة تشمل المنشورات العلمية وتأشيرات السفر للباحثين، مما يعكس رغبته في السيطرة على المشهد العلمي. هذا التدخل السافر أثار قلقاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية حول مدى استقلالية البحث العلمي في ظل الاعتماد المتزايد على التمويل الخاص.
وبينما تحاول الجامعات احتواء الأزمة عبر إجراءات إدارية وقانونية، يرى خبراء أن 'إرث إبستين' سيظل يطارد هذه المؤسسات لسنوات طويلة. فالفضيحة لم تضرب السمعة الأكاديمية فحسب، بل كشفت عن هشاشة القيم التي تقوم عليها عمليات القبول والترقي والتمويل في كبرى قلاع المعرفة الأمريكية.
ختاماً، تظل التحقيقات الجارية في هارفرد وغيرها من الجامعات مرشحة للكشف عن مزيد من الأسماء والمفاجآت مع استمرار تحليل ملايين الوثائق. وتواجه الإدارات الجامعية الآن تحدياً مصيرياً في إعادة صياغة سياسات قبول التبرعات وضمان عدم تكرار مثل هذا الاختراق الذي مس جوهر النزاهة العلمية.





שתף את דעתך
وثائق إبستين تزلزل الأكاديميا الأمريكية: تحقيقات موسعة في هارفرد وإيقاف أساتذة في ييل وكولومبيا