ד 11 פבר 2026 9:24 am - שעון ירושלים

غزة وانكشاف النظام الدولي: حين تحولت الإدانة إلى إدارة للإبادة



 ما يجري في غزة لا يمكن قراءته بوصفه فشلًا عابرًا للنظام الدولي، ولا خللًا مؤقتًا في آليات الاستجابة، بل بوصفه لحظة السقوط الكامل لمنظومة ادّعت، على مدى عقود، أنها قائمة على القانون الدولي، وحماية المدنيين، ومنع الإبادة الجماعية. في غزة، لم يَغِب النظام الدولي، بل كان حاضرًا بكل مؤسساته، وخطابه، وبياناته، واختار بوعي أن يكتفي بالإدانة والقلق، أي أن يكون شاهد زور منظّمًا على الجريمة.
غزة هنا ليست اختبارًا للنظام الدولي، بل لحظة كشف لوظيفته الحقيقية حين يتعارض القانون مع القوة، وحين تصبح العدالة عبئًا سياسيًا لا يمكن تحمّله. فالمشكلة لم تكن في عجز المنظومة، بل في طبيعة اختياراتها.
الإدانة، والاستنكار، والتعبير عن القلق، لم تعد أدوات ضغط رمزية كما تصفها أدبيات السياسة الرمزية، بل تحولت في الحالة الغزّية إلى آليات تشغيل يومي للإفلات من العقاب. فاللغة هنا لا تعبّر عن رفض، بل تؤدي وظيفة سياسية دقيقة: امتصاص الصدمة، تبريد الغضب، ومنح الوقت الكافي لاستكمال الفعل العسكري دون كلفة دولية تُذكر. حين تُباد أحياء كاملة، ويُستهدف المدنيون بشكل منهجي، ثم يُقال إن الوضع مقلق، فإن الجريمة لا تُدان، بل يُعاد تعريفها بوصفها أزمة قابلة للإدارة (Edelman, 1988).

وبهذا المعنى، لا تعمل الإدانة ضمن منطق الأخلاق الدولية، بل ضمن منطق إدارة الصراع كما تصفه الواقعية النقدية: ضبط السلوك الخطابي دون تغييره فعليًا، وتحويل اللغة إلى بديل عن الفعل.
الموقف الأوروبي يقدّم النموذج الأوضح لهذا الانهيار البنيوي. الاتحاد الأوروبي، الذي شيّد صورته الدولية على خطاب القيم وحقوق الإنسان، ظهر في غزة ككيان مفصول أخلاقيًا بالكامل عن خطابه. بيانات متلاحقة، قلق متصاعد، دعوات إنسانية عامة، لكن دون أي استعداد لربط هذه اللغة بأدوات السياسة الخارجية الفعلية. لم تُمس اتفاقيات الشراكة، لم يُوقف تصدير السلاح، ولم تُفعّل آليات المساءلة. أوروبا لم تكن عاجزة عن الفعل، بل اختارت ألا ترى، لأن الرؤية كانت ستفرض كلفة سياسية لا تريد دفعها (Mearsheimer, 2018)
ما جرى لم يكن انفصالًا عابرًا بين القيم والممارسة، بل لحظة اختيار واعٍ للتخلي عن القيم حين تصبح مكلفة. والمقارنة مع أوكرانيا هنا ليست تفصيلًا ولا استدعاءً دعائيًا، بل إدانة بحد ذاتها: القيم ذاتها، والقانون الدولي ذاته، لكن سلوك مختلف بالكامل. ما يعني أن القيم لم تعد معيارًا ناظمًا، بل أداة انتقائية تُستخدم وفق هوية الضحية والجاني.م تُصمَّم للضغط على المعتدي، بل لاحتواء الشارع، وتفريغ الغضب في لغة إنشائية لا تترتب عليها أي التزامات سياسية أو قانونية. لقد تحولت فلسطين، وغزة تحديدًا، إلى مناسبة دورية لإعادة إنتاج العجز نفسه، بصيغة أكثر بلاغة وأقل أثرًا.

الإدانة العربية هنا لا تعكس فقط ضعف النظام الإقليمي، بل وظيفته الفعلية في الحفاظ على الاستقرار الداخلي، ولو كان ذلك على حساب فلسطين، ما يجعل هذا الخطاب جزءًا من بنية الانهيار الإقليمي لا مجرد انعكاس له (Barnett & Solingen, 2007).
أما روسيا والصين، فتتعاملان مع غزة بوصفها ساحة من ساحات الصراع مع الغرب، لا بوصفها قضية عدالة أو إبادة جماعية. مواقفهما التي تنتقد استهداف المدنيين وتستدعي القانون الدولي لا تتجاوز كونها استثمارًا سياسيًا محسوبًا في انهيار الخطاب الغربي، لا محاولة حقيقية لوقف الجريمة. الإدانة هنا مصممة بدقة بحيث لا تفرض أي التزام عملي، ولا تُخلّ بالتوازنات الكبرى (Walt, 2002).
وهذا لا يساوي بين الأطراف أخلاقيًا، بل يكشف أن الفراغ الأخلاقي بات سمة عامة في إدارة النظام الدولي، وأن غزة لم تُنتج هذا الفراغ، بل فضحته.
لقد كشفت غزة أن ازدواجية المعايير لم تعد استثناءً أو انحرافًا طارئًا، بل أصبحت القاعدة التشغيلية للنظام الدولي. لم يعد القانون الدولي معيارًا عامًا يُطبّق على الجميع، بل أداة تُستخدم حسب هوية الفاعل. الجريمة لا تُقاس بطبيعتها، بل بمن يرتكبها، والضحايا لا يُصغى إليهم إلا إذا انسجم دمهم مع خرائط المصال (Koskenniemi, 2005). ،في هذا السياق، تصبح الإدانة وسيلة لإعادة تعريف الجريمة لا لمواجهتها، ويغدو القلق آلية لإطالة أمدها لا لإنهائها.

إن ما انهار في غزة ليس فقط منظومة القيم الدولية، بل الادعاء ذاته بوجود نظام دولي عادل، أو حتى قابل للإصلاح من داخله. فالنظام الذي لا يفشل في منع الإبادة فحسب، بل يديرها لغويًا، هو نظام فقد مبرر وجوده. والإدانة التي لا تفرض كلفة ليست حيادًا، بل تواطؤ. والقلق الذي لا يغيّر سلوكًا ليس إنسانية، بل سياسة باردة تُقاس فيها الدماء بميزان التحالفات.
غزة، بهذا المعنى، ليست مأساة معزولة، بل نقطة الانكشاف الكبرى؛ اللحظة التي سقط فيها القناع، وظهر النظام الدولي كما هو: منظومة تُجيد الكلام عن العدالة، وتعجز — أو ترفض — أن تمارسها. وما سيأتي في هذه السلسلة ليس بحثًا عن بديل جاهز، بل تفكيكًا لما لم يعد قابلًا للدفاع عنه.

باحث دكتوراة في العلاقات الدولية


תגים

שתף את דעתך

غزة وانكشاف النظام الدولي: حين تحولت الإدانة إلى إدارة للإبادة

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.