تأتي ذكرى الثورة الإيرانية في الحادي عشر من شباط/ فبراير هذا العام وسط مشهد سياسي محتقن، حيث سجلت البلاد انتفاضة شعبية هي الأضخم منذ سقوط نظام الشاه عام 1979. وتكشف هذه الأحداث عن مفارقة تاريخية عميقة، إذ تحول النظام الذي تأسس على أنقاض القمع الملكي إلى آلة سلطوية تمارس من البطش ما قد يتجاوز ممارسات سلفه، محاولاً فرض بقائه عبر مواجهات دموية مع المحتجين المطالبين بالتغيير.
إن المعضلة الإيرانية الراهنة لا تنفصل عن سياق المنطقة العربية، حيث اصطدمت موجات الربيع العربي في عامي 2011 و2019 بجدران صلبة من القمع الممنهج. هذا الانسداد السياسي أدى في كثير من الحالات إلى إعادة إنتاج أنظمة استبدادية بوجوه جديدة، أو الانزلاق نحو حروب أهلية مدمرة، وهو ما يثير مخاوف جدية من سيناريو 'السريَنة' في الحالة الإيرانية إذا ما فقد النظام قدرته على السيطرة المطلقة.
في ظل هذا التأزم، يبرز تساؤل حول دور المجتمع الدولي والقوى العظمى في دعم التحول الديمقراطي، إلا أن التجارب التاريخية القريبة تفرض نوعاً من الحذر الشديد. فقد أثبتت حقبة 'المحافظين الجدد' في الولايات المتحدة أن شعارات نشر الديمقراطية لم تكن سوى غطاء لمطامع إمبريالية في العراق وثرواته النفطية، مما أدى لنتائج كارثية لا تزال المنطقة تدفع ثمنها حتى اليوم.
وعلى الرغم من أن التجربة العراقية أفرزت نظاماً برلمانياً هو الأكثر ديمقراطية مقارنة بمحيطه، إلا أنه ظل رهيناً للمحاصصة الطائفية والفساد المستشري. والأخطر من ذلك هو تغلغل الميليشيات المسلحة المرتبطة بطهران، والتي لم تتردد في قمع الحراكات الشعبية العراقية، مما يعكس تداخلاً معقداً بين الاستبداد العابر للحدود وفشل مشاريع 'الديمقراطية المفروضة' من الخارج.
إن الحكم الذي يدعي استمداد شرعيته من إرادة إلهية أو تفسير أحادي للمصلحة الشعبية، سرعان ما يستحيل إلى استبداد قد يفوق في بطشه النظام الذي أطاح به.
أما في الحالة السورية، فقد تجلى النفاق الدولي بوضوح، حيث غاب الحرص الأمريكي المزعوم على الديمقراطية لغياب المصالح الاقتصادية الجاذبة مقارنة بالعراق. هذا التباين في المواقف يؤكد أن بوصلة واشنطن تتحرك وفقاً لحسابات النفوذ والطاقة، وليس استجابة لنداءات الشعوب المقهورة التي تواجه آلات القمع العسكرية بصدور عارية.
ومع عودة دونالد ترامب إلى المشهد، يبدو أن الرهان على دعم أمريكي للانتفاضة الإيرانية هو وهم يفوق في خطورته أوهام الماضي. فإدارة ترامب لا تتبنى أدبيات نشر الديمقراطية، بل تركز على سياسة فرض الإرادة والمصالح المباشرة، وهو ما ظهر جلياً في تعاملها مع الأزمة الفنزويلية، حيث تهدف الضغوط إلى تطويع الأنظمة أو استبدال رؤوسها بما يخدم الأجندة الأمريكية حصراً.
إن الطريق نحو التغيير الحقيقي في إيران يمر عبر إدراك أن القوى الخارجية، وعلى رأسها واشنطن، لن تكون يوماً حليفاً صادقاً للديمقراطية إذا تعارضت مع مصالحها الاستراتيجية. فالتغيير المستدام يتطلب بناء شرعية نابعة من الإرادة الشعبية الحرة، بعيداً عن التدخلات التي قد تحول الثورات إلى حروب بالوكالة أو تفتح الباب أمام استبداد جديد يرتدي عباءة دولية.





שתף את דעתך
أوهام الديمقراطية المستوردة: لماذا لن تحمل واشنطن الخلاص للشعب الإيراني؟