تراقب الدوائر الدبلوماسية في تل أبيب باهتمام متزايد تنامي العلاقات الاستراتيجية بين دولة الإمارات وجمهورية الهند، حيث ترى فيها صياغة لممر اقتصادي جديد يعيد رسم موازين القوى في المنطقة. ويشير مراقبون إلى أن هذا التحالف يتجاوز الأبعاد التجارية التقليدية ليرسخ مكانة أبوظبي كشريك استراتيجي لقوة عظمى صاعدة، مما يوفر للاحتلال الإسرائيلي موطئ قدم ضمن منظومة إقليمية مستقرة بعيداً عن التوترات المتصاعدة في ملفات أخرى.
وفي قراءة للمشهد الخليجي، اعتبر مستشار سابق لرئاسة دولة الاحتلال أن التحركات الإماراتية الأخيرة تعكس نضجاً سياسياً في التعامل مع الضغوط الإقليمية، خاصة في ظل التنافس المحموم مع السعودية. وأوضح أن زيارات محمد بن زايد إلى نيودلهي وموسكو تهدف إلى تأمين هوامش مناورة واسعة في آسيا الوسطى، وضمان تدفقات الطاقة بعيداً عن الهيمنة التقليدية، وهو ما يمنح أبوظبي قدرة عالية على التأثير في خريطة الطاقة العالمية.
على الجانب الآخر، يرى محللون أن السلوك السعودي الأخير يعبر عن ضائقة استراتيجية ناتجة عن تحديات اقتصادية معقدة، حيث تحاول الرياض فرض هيمنتها عبر الضغط على الشركات الدولية لنقل مقارها. وتكشف التقارير أن هذه الضغوط، التي وصلت إلى حد المواجهات غير المباشرة في ملفات إقليمية كاليمن، تعكس قلقاً من اتساع العجز المالي وصعوبة الوفاء بالوعود الضخمة المرتبطة برؤية 2030 في ظل المتغيرات الراهنة.
وتشير البيانات الاقتصادية المستندة إلى تقارير دولية صدرت في ديسمبر 2025، إلى فجوة هيكلية بين الاقتصادين الجارين، حيث قفزت نسبة الدين العام في السعودية بمعدل 16 ضعفاً خلال عقد واحد لتصل إلى 32% من الناتج المحلي. هذا التسارع في الاقتراض يثير تساؤلات حول استدامة المشاريع الكبرى، خاصة مع تراجع أرباح شركة أرامكو بنسبة 25%، مما أحدث هزة في الثقة المالية للمملكة خلال الأشهر الماضية.
الركيزة الإماراتية، بجانب الركيزة الهندية، هي الأساس الحقيقي للبنية الإسرائيلية في المنطقة ضمن ما يعرف بالتحالف الهندي الإبراهيمي.
في المقابل، تحافظ الإمارات على استقرار مالي ملحوظ، حيث تعتمد بنسبة 78% على قطاعات إنتاجية حقيقية تشمل السياحة والخدمات اللوجستية والتمويل، بعيداً عن الإنفاق الحكومي المصطنع. وتؤكد مصادر اقتصادية أن أبوظبي نجحت في تحقيق نمو متوازن بنسبة 4.8%، مستغلة احتياطياتها الضخمة في شراء أصول استراتيجية عالمية بدلاً من استنزافها في تغطية العجز المالي، مما يعزز جاذبيتها كمركز مالي مستقر.
وفيما يتعلق بجذب الاستثمارات، يظهر التباين واضحاً في الأرقام؛ فبينما استهدفت الرياض جذب 100 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر، لم تنجح فعلياً سوى في تحصيل مبالغ تتراوح بين 12 و20 مليار دولار. هذا الإخفاق في تحقيق المستهدفات الاستثمارية يضع ضغوطاً إضافية على صانع القرار السعودي، الذي يجد نفسه مضطراً للوفاء بالتزامات استثمارية خارجية ضخمة في الولايات المتحدة ودول أخرى في وقت تشتد فيه الحاجة للسيولة داخلياً.
وتدرك القيادة الإماراتية أن صراعات القرن الحادي والعشرين لا تُحسم بالمواجهات العسكرية التقليدية أو الحملات الإعلامية، بل بالسيطرة على الممرات اللوجستية والموانئ وخطوط الأنابيب. ومن هذا المنطلق، عملت أبوظبي على ترسيخ مكانتها كمالك لشريان الطاقة البديلة المتجه نحو أوروبا، متجاوزة بذلك التعقيدات الجيوسياسية المرتبطة بروسيا وإيران، ورابطةً احتياطيات الغاز الكبرى بالأسواق الغربية بشكل مباشر.
وخلصت القراءة الإسرائيلية للمشهد إلى أن 'الركيزة الإماراتية' تمثل مع الهند الأساس المتين لما يسمى بـ'التحالف الهندي الإبراهيمي'، وهو المشروع الذي تراه تل أبيب ضمانة لأمنها القومي وتوسعها الاقتصادي. ويبدو أن الاحتلال حسم خياره بالانحياز لهذا المحور الذي يظهر صبراً استراتيجياً وقدرة على المناورة بين القوى الكبرى، معتبراً أن استقرار هذا التحالف هو الضمانة الحقيقية للبقاء في بيئة إقليمية متغيرة.





שתף את דעתך
تحولات استراتيجية: لماذا تفضل الأوساط الإسرائيلية التحالف مع الإمارات والهند على حساب الرياض؟