تجاوز العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة حدود العمليات العسكرية التقليدية ليصل إلى ما يصفه خبراء بـ 'الإبادة الأكاديمية'. فقد جعل الاحتلال من البنية التحتية التعليمية هدفاً استراتيجياً، مما أسفر عن تدمير الجامعات الثماني في القطاع تدميراً شاملاً، وتسويتها بالأرض إلى جانب المختبرات والمكتبات العلمية التي تشكل ذاكرة المعرفة الفلسطينية.
ولم تقتصر هذه السياسة على تدمير الحجر، بل امتدت لتطال الكوادر البشرية التي تدير العملية التعليمية في غزة. حيث تشير الإحصاءات إلى اغتيال مئات الأساتذة والمحاضرين الجامعيين، بالإضافة إلى أكثر من ألف معلم ومعلمة، ومئات المثقفين والكتاب، في محاولة واضحة لإفراغ المجتمع من صناع الوعي وحملة الفكر النقدي.
هذا الاستهداف الممنهج أعاد تسليط الضوء على مصطلح 'الإبادة الأكاديمية' الذي صاغته الأكاديمية الفلسطينية كرمة النابلسي. ويهدف هذا المفهوم إلى توصيف سياسات محو النظام التعليمي الفلسطيني بالكامل، ليس فقط في الوقت الراهن، بل عبر حرمان الأجيال القادمة من أي فرصة لإعادة بناء المؤسسات التعليمية أو استئناف المسيرة المعرفية.
ويرى مراقبون أن اغتيال المثقفين ليس وليد اللحظة أو مرتبطاً فقط بأحداث 'طوفان الأقصى'، بل هو نهج تاريخي ثابت لدى الاحتلال. فمنذ عقود، استهدف الاحتلال رموزاً ثقافية مثل غسان كنفاني وناجي العلي وكمال ناصر، إدراكاً منه بأن الكلمة والسردية الفلسطينية تشكل تهديداً وجودياً يفوق في تأثيره الأدوات العسكرية التقليدية.
المثقف في المنظور الصهيوني عدوٌّ في جميع الأحوال؛ لأن جوهر دوره يكمن في إنتاج التفكير النقدي الحر الذي يهدد الرواية الاستيطانية.
وتشير الوقائع إلى أن المواقف السياسية للمثقفين، سواء كانت معارضة أو مؤيدة للفصائل الفلسطينية، لم توفر لهم الحماية من الاستهداف الإسرائيلي. فالاحتلال يتعامل مع المثقف كعدو دائم لكونه ينتج تفكيراً حراً وموضوعياً، وهو ما يسعى المشروع الاستيطاني لإبادته لقطع سلاسل انتقال الوعي بين الأجيال الفلسطينية المتعاقبة.
إن تدمير المدارس التابعة للأونروا والمدارس الخاصة والعامة يعكس رغبة في تجهيل المجتمع الفلسطيني ودفعه نحو الأمية القسرية. هذه الوحشية في التعامل مع المؤسسات التربوية تكشف عن وجه استيطاني يسعى لاجتثاث الهوية الوطنية من خلال ضرب ركائزها العلمية والثقافية التي تميز المجتمع الفلسطيني في الشتات والداخل.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، يبرز دور المثقف والوعي الجمعي كحائط صد أخير أمام محاولات المحو المعرفي. فالمعركة اليوم لم تعد تقتصر على الميدان العسكري، بل انتقلت لتكون صراعاً على البقاء الثقافي والتعليمي، حيث يصبح الصمت تجاه تدمير العقول تواطؤاً في جريمة الإبادة التي تستهدف مستقبل فلسطين.





שתף את דעתך
الإبادة الأكاديمية في غزة: استراتيجية إسرائيلية لمحو الوعي وتدمير المستقبل التعليمي