سادت حالة من الشلل التجاري الجزئي في أسواق العاصمة العراقية بغداد، منذ مساء السبت وصباح الأحد، إثر دخول مئات التجار وأصحاب شركات التخليص الجمركي في إضراب مفتوح. وجاءت هذه الخطوة احتجاجاً على قرار حكومي يقضي برفع الرسوم الجمركية على السلع المستوردة، مما أدى إلى إغلاق عشرات المحال التجارية في المناطق الحيوية والأسواق الشعبية.
واحتشد المتظاهرون يوم الأحد أمام مقر المديرية العامة للجمارك وسط بغداد، مرددين هتافات تطالب الحكومة بالتراجع الفوري عن الإجراءات الضريبية الجديدة. وأكد المحتجون أن هذه الرسوم رفعت تكاليف الاستيراد بشكل حاد، مما انعكس سلباً على أسعار البضائع النهائية وقدرة المواطنين الشرائية في ظل ظروف اقتصادية صعبة.
ودخلت الرسوم الجمركية الجديدة حيز التنفيذ الفعلي في الأول من كانون الثاني/يناير الماضي، كجزء من خطة حكومية تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد الكلي على النفط. وتسعى السلطات العراقية من خلال هذه الإجراءات إلى سداد ديون داخلية وخارجية تتجاوز قيمتها 90 تريليون دينار عراقي، أي ما يعادل نحو 69 مليار دولار.
وأفادت مصادر ميدانية بأن الإضراب شمل أسواقاً رئيسية في بغداد، مع وجود دعوات متزايدة لتوسيع نطاق الاحتجاج ليشمل محافظات عراقية أخرى. ورفع المضربون لافتات تحذر من أن 'الرسوم الجمركية تقتل المواطنين'، مشيرين إلى أن السوق المحلية بدأت تعاني بالفعل من ركود تجاري نتيجة القلق من موجة غلاء وشيكة.
من جانبهم، أوضح تجار مشاركون في الاحتجاجات أن الرسوم الجديدة وصلت في بعض الفئات السلعية إلى 30%، وهو ما وصفوه بالعبء غير العادل. وأشاروا إلى أنهم لجأوا إلى القضاء العراقي للطعن في دستورية وقانونية هذه الزيادات، حيث من المقرر أن تصدر المحكمة الاتحادية العليا حكمها الحاسم في هذه القضية يوم الأربعاء المقبل.
وفي سياق متصل، اتهم المحتجون جماعات نافذة بممارسة الفساد في المنافذ الحدودية، عبر تسهيل دخول بضائع معينة مقابل مبالغ غير رسمية تقل عن الرسوم المقررة. وحذر التجار من أن استمرار هذه السياسات قد يدفعهم إلى تحويل مسار وارداتهم نحو إقليم كردستان، حيث تتوفر تسهيلات ورسوم جمركية أقل مقارنة بالمنافذ الاتحادية.
وفي المقابل، دافعت الهيئة العامة للضرائب عن القرار، مؤكدة أن رفع التعرفة أسهم في تحقيق إيرادات مالية جيدة خلال الشهر الماضي لدعم موازنة الدولة. واعتبرت الهيئة أن هذه الخطوات ضرورية لتنظيم السوق المحلية وحماية المنتج الوطني، فضلاً عن تعزيز الموارد غير النفطية التي لا تزال تشكل نسبة ضئيلة من الدخل القومي.
الرسوم الجمركية تقتل المواطنين؛ نحن نطالب بمراجعة فورية للقرار الذي أربك حركة التجارة ورفع التكاليف بشكل غير مسبوق.
من جهته، أكد مدير عام هيئة الجمارك، ثامر قاسم، في بيان رسمي أن الهيئة تمثل جهة تنفيذية للقرارات الصادرة عن مجلس الوزراء ولا تملك صلاحية تجميدها. وأوضح قاسم أن الحكومة كانت قد أجلت تطبيق هذه الزيادات لعدة أشهر لمنح التجار فرصة كافية لتخليص بضائعهم العالقة في الموانئ والمنافذ البرية.
وأشار قاسم إلى أن حركة التجارة لم تتوقف بشكل كامل، حيث بلغت عائدات الهيئة خلال الشهر الأول من العام الحالي نحو 137 مليار دينار عراقي. واعتبر أن هذا الرقم يعد دليلاً على استمرار التدفقات التجارية رغم عزوف بعض التجار عن تخليص حاوياتهم احتجاجاً على النظام الضريبي الجديد.
وتطرق مدير الجمارك إلى مشكلة تكدس الحاويات في المنافذ، مبيناً أن إضراب بعض التجار أعاق تنظيم العمل ومنع آخرين من إتمام إجراءاتهم الجمركية بشكل انسيابي. وشدد على أن زيادة التعرفة لم تشمل جميع المواد، بل اقتصرت على فئات محددة، مع استثناء المواد الغذائية والسلع الأساسية من أي تلاعب في الأسعار.
ويتزامن هذا الاضطراب مع بدء التطبيق التجريبي لنظام التدقيق الأوروبي المعروف بـ 'سكودا SKODA' في المنافذ الجمركية العراقية. ويعتمد هذا النظام الرقمي المتطور على تتبع البيانات وربطها بالمصارف والموانئ، مما يقلص فرص التلاعب بالفواتير أو تقديم مستندات غير مطابقة للقيم الحقيقية للبضائع.
ويهدف نظام 'سكودا' إلى تعزيز الشفافية في التحويلات المالية ومنع تهريب العملة، حيث يقوم بتثبيت السعر الفعلي للبضائع بناءً على قواعد بيانات دولية. ومع تفعيل هذا النظام، أصبح من الصعب تمرير السلع بفواتير منخفضة القيمة، وهو ما يراه بعض المراقبين سبباً إضافياً لتململ بعض التجار المعتادين على الآليات الورقية السابقة.
ويرى خبراء اقتصاد أن الحكومة العراقية تواجه اختباراً صعباً للموازنة بين حاجتها الماسة لتعظيم الإيرادات وبين الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. ففي ظل اعتماد الموازنة بنسبة 90% على النفط، تظل محاولات التنويع محفوفة بالمخاطر إذا لم تصاحبها إجراءات تحمي الفئات الهشة من ارتفاع تكاليف المعيشة.
ويبقى ترقب الشارع العراقي سيد الموقف بانتظار قرار المحكمة الاتحادية يوم الأربعاء، والذي قد يهدئ الأوضاع أو يدفع نحو مزيد من التصعيد. وفي حال استمرار الإضراب وتمدده إلى المحافظات، فإن الأسواق العراقية قد تواجه أزمة إمدادات جدية تزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي في البلاد.





שתף את דעתך
إضراب تجاري يشل أسواق بغداد احتجاجاً على زيادة الرسوم الجمركية