فيما بدا كأنه ارتباك دبلوماسي محسوب أكثر منه انهياراً فعلياً للمسار، أفاد موقع "أكسيوس" الأربعاء بأن واشنطن أبلغت طهران بإلغاء جولة محادثات كانت مقررة يوم الجمعة، مرجعاً ذلك إلى ما وصفه التقرير بتراجع إيران عن تفاهمات سابقة تتعلق بمكان انعقاد المفاوضات وفحواها. غير أن هذا التطور لم يُقرأ في إسرائيل باعتباره إغلاقاً نهائياً لباب التفاوض، إذ نقلت القناة 12 عن تقديرات إسرائيلية أن ما يجري يدخل في إطار ضغوطات أميركية، لا إعلان قطيعة.
ويضع هذا التباين بين "الإلغاء" في التسريبات و"الاستمرار" في التصريحات الرسمية المشهد أمام سؤال مركزي: هل نحن أمام خلاف لوجستي حول مكان الاجتماع، أم أمام صراع أعمق على جدول الأعمال وشروط التفاوض؟ فالمعطيات التي ظهرت لاحقاً توحي بأن نقطة الاحتكاك الأساسية ليست جغرافيا فقط، بل تتعلق بمن يملك حق تعريف "القضايا الجوهرية" التي يجب أن تُناقش، وبأي سقف سياسي سيُدار المسار.
في هذا السياق، خرج وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو صباح الأربعاء بتصريحات حاولت تثبيت اتجاه السياسة الأميركية، من دون أن يُسقط خيار اللقاء. وقال إن أي محادثات مرتقبة مع إيران يجب أن تشمل برنامجها الصاروخي والنووي، ودعمها لوكلائها في المنطقة، وطريقة تعاملها مع شعبها، مشيراً إلى أن مكان عقد المحادثات لا يزال قيد الترتيب.
وأضاف روبيو، خلال مؤتمر صحافي في واشنطن، أن "أي محادثات كي تفضي فعليا إلى نتائج ذات معنى، يجب أن تتناول قضايا محددة، تشمل مدى الصواريخ الباليستية الإيرانية، ورعايتها للمنظمات الإرهابية في مختلف أنحاء المنطقة، وبرنامجها النووي، إضافة إلى طريقة تعاملها مع شعبها".
وبشأن مكان عقد المحادثات مع طهران، أوضح أن واشنطن كانت تعتقد في البداية أنه جرى الاتفاق على عقده في تركيا، قبل ورود تقارير إيرانية تنفي الموافقة على ذلك. وأضاف: "كنا نعتقد أن هناك منتدى قائما تم الاتفاق عليه في تركيا، وقد جرى ترتيبه بمشاركة عدد من الشركاء الذين أرادوا الحضور والمشاركة فيه. لكنني اطّلعتُ أمس (الثلاثاء) على تقارير متضاربة من الجانب الإيراني تفيد بأنهم لم يوافقوا على ذلك، لذلك فإن الأمر لا يزال قيد البحث".
وشدّد وزير الخارجية الأميركي على أن أي محادثات مع إيران لن ترقى إلى مستوى "إضفاء الشرعية عليها". وهذه العبارة، التي تبدو في ظاهرها توضيحاً سياسياً موجهاً للجمهور الأميركي، تحمل في عمقها رسالة تفاوضية: واشنطن تريد محادثات تفضي إلى تنازلات ملموسة لا إلى صورة سياسية تمنح طهران اعترافاً مجانياً أو ترفع عنها العزلة.
وفي المقابل، رجحت تقارير إعلامية لاحقة أن تكون سلطنة عمان هي الموقع الأقرب لاستضافة الجولة، بحكم دورها التقليدي كوسيط بين الطرفين في لقاءات غير مباشرة، وكونها قناة مألوفة لتدوير الزوايا حين تتعثر الخيارات العلنية أو تصبح كلفتها السياسية مرتفعة.
ورغم ضبابية المكان، أكد روبيو أن المحادثات مقررة يوم الجمعة، مشيراً إلى أن مبعوث الرئيس الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، "جاهز للانطلاق". وأضاف روبيو: "إذا أراد الإيرانيون اللقاء، فنحن مستعدون، لست متأكدا من إمكانية التوصل إلى اتفاق مع هؤلاء، لكننا سنحاول معرفة ذلك".
وعلى الجانب الإيراني، جاء تحركٌ مواكبٌ يوحي بأن طهران لا ترغب في تحمل كلفة الظهور كطرف يُفشل المسار. فقبيل الموعد المتوقع، أعلنت الخارجية الإيرانية أن وزيرها عباس عراقجي، أجرى اتصالا هاتفيا مع نظيره العُماني بدر البوسعيدي، بحثا خلاله العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية. وتُقرأ هذه الخطوة عادة كإشارة مزدوجة: تثبيت دور الوسيط العُماني، وتأكيد استعداد إيران للعودة إلى القناة الأكثر أماناً سياسياً عندما يصبح المسار العلني عبئاً أو عندما تتسع دائرة الحضور الدولي.
غير أن جوهر الأزمة، وفق القراءة السياسية، يتجاوز مسألة "أين تُعقد الجولة؟" إلى سؤال "على ماذا تُعقد؟". فواشنطن تبدو مصممة على توسيع الأجندة لتشمل الصواريخ والوكلاء وحقوق الإنسان، بينما تفضّل طهران تقليصها إلى الملف النووي ورفع العقوبات. وهذا التباين ليس تفصيلاً؛ إنه جوهر التفاوض ذاته: هل هو صفقة محدودة بحدود النووي، أم محاولة لإعادة صياغة شاملة للسلوك الإيراني الإقليمي والداخلي؟
وبحسب الخبراء، يبرز هنا مفارقة أساسية: توسيع سقف التفاوض قد يبدو، من زاوية، وصفة لتعطيل الاتفاق عبر إدخال ملفات حساسة تجعل الوصول إلى "حزمة واحدة" شبه مستحيل. لكنه، من زاوية أخرى، قد يكون تكتيكاً أميركياً لاستعادة "التفاوض بشروط واشنطن" لا "التفاوض كإنقاذ متبادل". فحين تُصر الإدارة الأميركية على إدخال الصواريخ والنفوذ الإقليمي وملف الحقوق، فهي لا ترفع سقف المطالب فقط، بل ترفع أيضاً كلفة الرفض الإيراني وتمنع طهران من حصر النقاش في النووي وحده.
كما أن التناقض الظاهر بين تسريب "الإلغاء" وتصريح "الموعد قائم" لا يعني بالضرورة انقساماً داخل الإدارة، بل قد يعكس توزيع أدوار مقصود: تسريب يرفع الكلفة السياسية على إيران ويضغط عليها للقبول بشروط أو مكان محدد، مقابل تصريح رسمي يُبقي الباب مفتوحاً كي لا تظهر واشنطن بمظهر المنسحب أو المعطّل. وبحسب هذا المنطق، يصبح "الارتباك" أداة تفاوض لا خللاً دبلوماسياً.
أما القراءة الإسرائيلية، التي نقلتها القناة 12، فتذهب إلى أن ما يحدث أقرب إلى الضغط منه إلى الإلغاء النهائي. وهذه القراءة ليست منفصلة عن حسابات تل أبيب نفسها: فسيناريو انهيار المفاوضات يفتح تلقائياً الباب على احتمالات عسكرية أو تصعيد إقليمي واسع، وهو مسار لا يبدو أن واشنطن ترغب في دفعه إلى الواجهة الآن، حتى لو كانت تُلوّح به ضمنياً كوسيلة ضغط.
وتتجه الأنظار إلى يوم الجمعة بوصفه اختباراً لجدية الطرفين أكثر من كونه موعداً تقنياً. السيناريو الأول يتمثل في انعقاد الجولة فعلاً، ولو بوساطة عُمانية أو بترتيبات بديلة، ما يعني أن الخلاف كان في إطار "شدّ الحبل" قبل الجلوس. السيناريو الثاني هو تأجيل الجولة مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، وهو خيار يسمح للطرفين بتفادي الإحراج السياسي وتخفيض التوتر مؤقتاً. أما السيناريو الثالث، وهو الأقل إعلاناً والأكثر خطورة، فيتمثل في تفكك المسار تدريجياً مع تبادل الاتهامات، بما يفتح الباب على تصعيد في المنطقة أو عودة مناخ العقوبات والردود المتبادلة.
وبين هذه السيناريوهات، يبدو أن المؤكد الوحيد حتى الآن هو أن التفاوض—إن انعقد—لن يكون على النووي فقط، وأن واشنطن تحاول تثبيت معادلة جديدة: لا شرعية سياسية مجانية، ولا صفقة ضيقة تترك الصواريخ والوكلاء خارج الحساب. في المقابل، ستسعى طهران إلى تفادي توسيع الأجندة لأنها تعلم أن القبول بها يعني الدخول في مفاوضات طويلة تُستنزف فيها أوراقها الأساسية.
ويعكس مشهد "الإلغاء" و"التأكيد" في يوم واحد يعكس طبيعة المرحلة: سياسة تُدار بالرسائل المتضاربة، والضغط الإعلامي، وإبقاء كل الخيارات مفتوحة—ليس فقط لإنتاج اتفاق، بل أيضاً لإدارة الفشل إن وقع، وتحديد الطرف الذي سيُحمَّل مسؤوليته أمام الداخل والحلفاء.





שתף את דעתך
آكسيوس: واشنطن ألغت المفاوضات مع إيران وروبيو: المفاوضات مقررة الجمعة