يرتبط الحضور الإيراني في لبنان ببدايات الثمانينيات، وتحديداً بمرحلة الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، التي شكّلت نقطة تحوّل في انخراط طهران المباشر بالساحة اللبنانية. ومع دخول وحدات من الحرس الثوري الإيراني إلى البقاع عبر سوريا في ذلك العام، بدأ التأسيس الفعلي لنفوذٍ منظم، تصدّرت أهدافه مواجهة الاحتلال وبناء قوة مقاومة محلية، مما أسفر عن نشوء حزب الله كتنظيم عقائدي مسلح ارتبط بطهران أيديولوجياً وعملياتياً.
قبل انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، كان الوجود الإيراني محدوداً واتخذ طابعاً دبلوماسياً وثقافياً تقليدياً. ومع وصول الإمام موسى الصدر إلى لبنان عام 1959، اكتسبت الروابط الدينية بعداً جديداً، حيث أسس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وحركة أمل. إلا أن غياب الصدر عام 1978 أحدث فراغاً قيادياً استغلته طهران لاحقاً لبناء أساس عقائدي وفكري جديد يتجاوز الطابع البراغماتي لحركة أمل التي تقربت من دمشق.
شهدت فترة الثمانينيات صراعاً على تمثيل الساحة الشيعية، برز خلاله خطان: خط حركة أمل المطالب بالتعايش داخل النظام، وخط حزب الله الثوري الملتزم بولاية الفقيه. وأفادت مصادر بأن إيران دعمت حزب الله عسكرياً وعقائدياً، ووصلت الصدامات ذروتها في 'حرب الإخوة' (1987-1988)، بينما اتهمت قوى دولية الحرس الثوري بالإشراف على عمليات كبرى ضد القوات الأجنبية في بيروت عام 1983.
شكّلت مرحلة اجتياح 1982 نقطة تحوّل في انخراط طهران المباشر بالساحة اللبنانية، حيث بدأ التأسيس الفعلي لنفوذٍ منظم تصدّرته مواجهة الاحتلال وبناء قوة مقاومة محلية.
بعد اتفاق الطائف عام 1989، انتقلت إيران إلى نموذج 'الدعم بالوكالة'، حيث استمر تزويد حزب الله بالأسلحة والتدريب بعيداً عن الأعين. وفي التسعينيات، تكرس دور الحزب كلاعب سياسي بمشاركته في الانتخابات النيابية، بالتوازي مع تطوير قدراته القتالية والصاروخية التي ظهرت فاعليتها في مواجهة الاحتلال حتى انسحابه عام 2000، ثم في حرب يوليو 2006 التي كشفت عن ترسانة صاروخية ضخمة شملت طرازات 'فجر' و'زلزال'.
منذ عام 2010، انتقل النفوذ الإيراني إلى مستوى بنيوي أعمق، حيث تحول لبنان إلى قاعدة عسكرية متقدمة ومخزن استراتيجي للصواريخ الدقيقة والمسيّرات. وبرزت أسماء مثل قاسم سليماني وإسماعيل قاآني كعقول مدبرة لهذا التنسيق الإقليمي. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تحول حزب الله إلى لاعب إقليمي يتجاوز الحدود اللبنانية، وصولاً إلى فتح 'جبهة إسناد' لغزة بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، مما أكد تحول لبنان إلى ورقة ضغط أساسية في الاستراتيجية الإيرانية.
على الصعيد السياسي والاجتماعي، استثمرت إيران في الأزمات اللبنانية، لا سيما الانهيار الاقتصادي عام 2019، عبر تقديم المساعدات والمحروقات لتعزيز بيئتها الحاضنة. ورغم صدور قرارات دولية مثل 1559 و1701 لكبح هذا النفوذ، إلا أن طهران تعاملت معها كقيود تكتيكية، محولةً حزب الله إلى أداة ردع إقليمية منظمة تضمن لها الحضور الدائم في المعادلة اللبنانية دون الحاجة لمواجهة مباشرة.





שתף את דעתך
أربعة عقود من النفوذ الإيراني في لبنان: من الحرس الثوري إلى 'جبهة الإسناد'