في غزة، لم تعد الهدنة فاصلاً بين حرب وسلم، بل شكلا اخر للحرب والقتل، ما يجري منذ ما قيل انه وقف لاطلاق النار في اكتوبر الماضي لا يمكن قراءته كخروقات عرضية او انفلات ميداني، بل كنمط منظم من القتل، يجري تحت غطاء دولي، فالدم لم يتوقف، بل اعيد توزيعه زمنيا، فالمجزرة الواحدة استبدلت باستنزاف يومي، لا يستدعي اعلان حرب جديدة كما انه لا يحرج احدا.
بعيداً عن تفاصيل بنود الهدنة، فقد بدا واضحا ان الاحتلال يسعى -منهجيا- الى تفريغ ما يسمى بالمرحلة الثانية من جوهرها، يحول دون الانتقال الى تهدئة اعمق، بل الحفاظ على فراغ سياسي يسمح له باستمرار القتل والحصار دون التزامات جديدة او جدية، وهو سلوك مرتبط مباشرة بالسياق الداخلي، حكومة هشة، ائتلاف متصدع، وانتخابات مرتقبة تجعل من غزة ورقة داخلية، لذا يجري تحويل المرحلة الثانية الى عنوان بلا اي مضامين.
ولتبرير هذا المسار، يتحجج الاحتلال بخروقات فلسطينية، حقيقية او متخيلة، لاعادة تعريف الهدنة كامتياز مشروط بالسلوك الفلسطيني، او كما يراه الاحتلال وحده، رغم اكثر من الف وثلاثمائة خرق اسرائيلي واكثر من خمسمائة شهيد خلال هذه الفترة، تلك التي لم يشاهدها العالم او يشاهد فيها خروقا، وهكذا تتحول الهدنة من التزام متبادل الى اداة عقاب، فالقصف الذي يستهدف احياء سكنية وخيام نازحين يؤكد ذلك، فلا اشتباك ولا خطر داهم، بل رسالة بأن القرار بالحياة والموت لا يزال بيد الاحتلال، حتى في زمن التهدئة.
أمام هذا المشهد، يظهر مجلس السلام، ومن قبله مجلس الامن، كمنظومة مسكنات سياسية، فلم تعد ادوات الزام او ردع، بل واجهات اعلامية لادارة العجز الدولي، بيانات، جلسات، ودعوة الضحية لضبط النفس، دون اي اثر فعلي على الارض، وكأن وظيفتها لم تعد وقف المذبحة، بل اعادة انتاج وهم متمثل بوجود رقابة دولية بينما يستمر القتل.
ضمن هذا الفراغ، يطرح مفهوم ما يسمى بقوة الاستقرار، والتي يفترض انها للفصل بين طرفين وحماية الاتفاق ومراقبته، لكن الاحتلال يسعى بوضوح الى قلب هذا الدور راسا على عقب، فالمطلوب قوة تعمل وفق مفهومه للاستقرار، اي ضبط غزة، لا حماية اهلها، ومنع اي فعل سياسي او اداري خارج شروطها، وان لم تخضع هذه القوة لهذا المقاس، فمنع تشكيلها هو الحل، لان قوة بلا تفويض حقيقي وقدرة على الردع لن تكون قوة استقرار، بل غطاء اضافي لاستمرار الحرب.
وهنا يبرز ايضا دور لجنة ادارة غزة، التي تبني خطابها على وعود مجلس السلام، فالتعويل عليها كبير، لكن المخاطر اكبر، التجربة الفلسطينية تقول ان اي كيان اداري يعمل تحت سقف الاحتلال، يتحول تدريجيا الى سلطة بيانات، لا فعل، فالقصف المتواصل يمكن قراءته كأداة لرسم هوامش للجنة، وتعطيلها قبل ان تباشر مهامها فعليا، والرسالة واضحة، الادارة مسموحة ما دامت لا تتجاوز سقف ادارة الخراب.
القطاع الصحي، منع تحويل الاف المرضى، نقص الادوية، المعابر، وملف النازحين تشكل الاختبار الحقيقي للجنة، لان موت الاطفال من البرد ليست كوارث طبيعية، كما ان تعطيل الحياة اليومية شكل اخر من اشكال القتل، ومع ذلك، يعاد توصيف كل ذلك كأزمة إنسانية، لا كجريمة حرب.
ما يجري في غزة اليوم هو انتقال من الحرب الصاخبة الى المنظمة، ومن الابادة السريعة الى الاستنزاف البطيء، الهدنة، المرحلة الثانية، لجنة ادارة غزة، وقوة الاستقرار، كلها معرضة لتتحول الى ادوات ضمن هذه المنظومة، والسؤال الحقيقي لم يعد عن تفاصيل الاتفاق، بل عن الغاية منه، حماية المدنيين ام حماية الاحتلال، ودون اجابة واضحة، ستبقى غزة تموت بالتقسيط، وسيبقى "السلام" اسما مستعارا لإرهاب مستمر.
א 01 פבר 2026 10:00 am - שעון ירושלים





שתף את דעתך
ما بعد الحرب لم يأتِ بعد: دماء برعاية مجلس السلام