ה 29 ינו 2026 10:25 am - שעון ירושלים

عالــم مخــربش...!



نحن نعيش في عالم مخربش، وكل شيء فيه مخربش، عالم غير طبيعي. عالم لم يعد فيه قانون يطبق، ولا أخلاق تسود، ولا شريعة تتبع.  عالم أصبح فيه القوي يأكل الضعيف، والغني يبتلع الفقير، والظالم يصول ويجول. عالم متوحش يضرب ويبطش، ويحتل وينهب، ويكذب يسرق على مرآى البصر وتحت مسميات مختلفة لم تعد تنطلي على أحد كنشر الديمقراطية، ومحاربة الديكتاتورية، وإعادة الأمل، وحفظ حقوق الإنسان والطفل والمرأة، ومكافحة المخدرات والإرهاب، وتشكيل مجلس للسلام لنشر السلام، وبناء شرق أوسطي جديد مزدهر، ورفع الظلم ونشر العدالة ... الخ من الشعائر التي لم نر منها شيئا على أرض الواقع.  وفي ظل هذا العالم المجنون المتوحش، أصبح الإنسان لا يتوانى أن يقتل أخاه الإنسان، ولا يتردد أن يقضّ مضجعه ويقصفه ويزلزل أركانه، ولا يخجل أن يعزل رؤساء وينصّب آخرين، ويضم أراضي ويهجّر أهلها الأصليين ويستبدلهم بأناس أجانب غربيين؛ وإذا ما حاول أحد أن يقف أمام هذا العالم المجنون، ترى رئيسه يلاحقه في قعر داره، ويلتقطه من سريره ويلقي به في مكان مجهول.  عالم أصبح فيه سفك الدماء شريعة كشرب الماء، والإنسان دمية ورقية يلعب بها كما يشاء، ويقذفها في مهب الريح متى يشاء دون أن يشعر بأي خجل أو إحساس، أو وخزة ضمير. عالم ينظر إلى معاناة الإنسان وفقره وضعفه ومرضه وذبحه كأنه شيء عادي لا يحرك فيه ساكنا، أو إحساسا، أو وخز ضمير.
 إنه ببساطة، عالم يتخلق بخلق القوة والفوقية، والفوضى الخلاقة والنرجسية، ليقول فيه أنا المتغطرس و"أنا ربكم الأعلى، فإما أن تتبعني وتصغي لأوامري لتنجو وتعيش، وإما أن تكون ضدي وتعاديني؛ لتلقى مصيرك دون أن يسمع بك أحد، أو يلتفت إليك أحد، أو ينظر إليك أحد.
فالإنسان أصبح أرخص بضاعة في هذا الوجود، وكأن البشر صنفت فيه إلى صنفين لا ثالث لهما: بشر ولا بشر، وفوق وتحت، وأغنياء وفقراء، وأسياد وعبيد، وأذكياء وأغبياء؛ عالم لم يعد فيه أخلاق ولا ضمير، ولا مبادئ ولا قواعد ولا قيم؛ وإلاّ، فأين الصدق وأين الأمانة، وأين الحقوق وأين العدالة، وأين الانضباط وأين النظام ونحن نعيش هذه الخربشات التي لم يشهد لها العالم مثيلا في هذا العصر الذي يدّعي الإنسانية، ويحارب الرّق والعنصرية؟
والسؤال الذي يطرح نفسه، إلى أين يسير هذا العالم، وكيف سيربي الوالد ولده، ويكف سيعلم المعلم طلابه، ولم المدارس والجامعات إن لم تعلّم الأخلاق، ولم المساجد والكنس إن لم تجسد الإيمان بالله والمبادئ والورع والتقوى والمحرمات؛ وإذا كانت معايير الأخلاق الصدق والأمانة، فأين الصدق والأمانة، وإن كان احترام الغير وحقوقه هو المبدأ، فأين الاحترام وأين الحقوق والمبدأ، وإن كانت مخافة الله وخشيته في السر والعلانية هي الرقيب، فلمََ الابتعاد عن شرائعه وما نهى عنه، ولم انتهاك ما جاءت به الرسل وأرسلت له؟ فالذي يدور حولنا يؤكد أننا نعيش في شريعة الغاب، حيث لا عقل ولا قانون، ولا قيود ولا سدود، وإنما غرائز متصارعة ونوازع مدمرة من قتل وتشريد وسفك دماء وترهيب، مع دعاية مضللة كاذبة وإعلام مغرض.
 هذا هو العالم الذي نعيش فيه للأسف، وهذه هي الأخلاقيات التي تتبعها القوى العظمى المهيمنة، عالم مخربش في عقله، مخربش في تفكيره، مخربش في ضميره وإحساسه، مخربش في قوانينه ونظامه، مخربش في أخلاقه وعقيدته، مخربش في أقواله وأفعاله وعلاقاته، حتى أصبح الكل يعمل ما يحلو له دون رقيب، أو محاسبة، أو وازع ضمير.
ولكن ومهما تلبدت غيوم هذا العصر وساد الظلم والحروب، فلا بد أن يظهر من خلف الغيوم شعاع نور يبدد الجهل وينير العقول، ويوقظ الضمائر ويحيي الشعور، ويعيد الأمور إلى نصابها الصحيح ويهدئ النفوس.  وسوف يأتي حكماء مؤمنون بربهم عقلاء ليقولوا لقوى الشر، كفاكم قتلا وتشريدا، وكفاكم هدما وتحطيما، إذْ ليس لهذا الهدف خُلقنا، وليس لهذه الأعمال تربينا وتعلمنا وبنينا، وليس لمثل هذا العصر أعددنا، وإنما خَلقنا لنكون صالحين، مؤلفين بين القلوب مجمعين، محافظين على الحقوق متعاونين، ومن ثم عابدين موحدين لا ننحني إلا لله رب العالمين.  قد يتغير هذا العصر ويمضي، ويأتي عصر آخر يعلو فيه الإنسان ويرتقي، ونأمل أن يكون قريبا لا بعيداً!


תגים

שתף את דעתך

عالــم مخــربش...!

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.