أعاد تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترمب من احتمال عودة نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء تسليط الضوء على فصل شديد الحساسية في التاريخ السياسي العراقي، ليس بوصف المالكي مجرد اسم مطروح في سباق السلطة، بل كعنوان لمرحلة اتسمت بالاستقطاب الطائفي، وهشاشة الدولة، وتآكل الثقة بالعملية السياسية في عراق ما بعد الاحتلال الأميركي.
ترمب، المعروف بخطابه المباشر، قال في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي إن العراق "انزلق إلى الفقر والفوضى" خلال فترة حكم المالكي، مضيفاً أن الولايات المتحدة "لن تقدّم أي دعم" لبغداد إذا عاد الرجل إلى المنصب. ووفق قراءات سياسية، فإن الرسالة لم تكن موجهة إلى المالكي وحده، بقدر ما استهدفت مجمل الطبقة السياسية العراقية، التي ما زالت تعيد إنتاج الوجوه نفسها بعد أكثر من عقدين على الغزو الأميركي.
وتولى نوري المالكي، زعيم حزب الدعوة الإسلامية، رئاسة الحكومة لولايتين متتاليتين بين عامي 2006 و2014، وهي سنوات شهدت ترسيخ نظام المحاصصة الطائفية، وتوسّع نفوذ الأجهزة الأمنية، وتهميشاً واسعاً لمكونات اجتماعية، خصوصاً في المناطق السنية. كما تخللت تلك المرحلة ذروة العنف الطائفي، وتوترات حادة مع إقليم كردستان، وانتهت بانهيار مفاجئ للمؤسسة العسكرية أمام تنظيم "داعش" في صيف 2014.
اليوم، يعود اسم المالكي إلى الواجهة بدعم من "الإطار التنسيقي" الشيعي، الذي يمتلك ثقلاً برلمانياً ويدافع عن ترشيحه بذريعة "الخبرة السياسية والإدارية". غير أن هذه الخبرة، في نظر منتقديه، اقترنت بتسييس مؤسسات الدولة، وتوظيف القضاء، وإقصاء الخصوم، ما جعل المالكي رمزاً لفشل مشروع الدولة الوطنية الذي أُطلق بعد عام 2003.
الانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي جرت في تشرين الثاني الماضي لاختيار 329 نائباً، لم تكسر هذه الحلقة. فقد حافظت التحالفات الشيعية على أغلبيتها بـ187 مقعداً، فيما بدت العملية الانتخابية أقرب إلى آلية لإعادة تدوير النخب منها إلى تجديدها. وفي هذا السياق، أثارت تهنئة الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد للمالكي على ترشيحه، والدعوة إلى "تعزيز الشراكة الوطنية"، تساؤلات حول الفجوة بين الخطاب الرسمي وتجربة الحكم الفعلية.
وُلد المالكي عام 1950، وانخرط مبكراً في حزب الدعوة، واضطر إلى مغادرة العراق أواخر السبعينيات بعد صدور حكم بالإعدام بحقه في عهد صدام حسين. وبعد الغزو الأميركي عام 2003، عاد من المنفى ضمن موجة سياسية صعدت في ظل نظام صاغته واشنطن على عجل، مستنداً إلى معادلة المحاصصة والهويات الفرعية تحت عنوان "بناء الديمقراطية".
ويرى محللون أن صعود المالكي لم يكن منفصلاً عن الإرادة الأميركية. فبعد عام 2006، اعتبرته واشنطن شريكاً "قابلاً للإدارة" من الناحية الأمنية، ولو على حساب التوازن الداخلي. هذا الدعم، وفق تلك القراءات، كان خياراً براغماتياً ضيق الأفق، تجاهل مؤشرات مبكرة على نزعة سلطوية، وأسهم في تعميق الانقسام المجتمعي، ما يجعل الولايات المتحدة شريكاً غير مباشر في إخفاقات تلك المرحلة.
وتُعد انتخابات عام 2010 محطة مفصلية، حين فازت قائمة "العراقية" بزعامة إياد علاوي بأكبر عدد من المقاعد، لكن المالكي احتفظ بالسلطة بدعم أميركي وإقليمي. ذلك الالتفاف على نتائج صناديق الاقتراع وجّه، في نظر كثير من العراقيين، ضربة قاسية لمصداقية المسار الديمقراطي، ورسّخ قناعة بأن القرار النهائي لا يُصنع داخل البلاد وحدها.
تحذير ترمب من عودة المالكي يطرح مفارقة واضحة: كيف تحذّر واشنطن اليوم من شخصية كانت جزءاً من هندسة صعودها؟ هل هو اعتراف متأخر بفشل السياسة الأميركية في العراق، أم توظيف انتقائي للذاكرة السياسية؟ وبين هذين التفسيرين، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة العراق على كسر دائرة الماضي، أو ما إذا كانت توازنات الأمس ما تزال تمسك بخيوط المستقبل.





שתף את דעתך
تحذير ترمب من عودة المالكي: استدعاء مرحلة الانقسام والفشل في عراق ما بعد الاحتلال