تحليل إخباري
أقرّ مجلس النواب الأميركي، بأغلبية كاسحة وعابرة للحزبين (341 مقابل 88)، مشروع قانون الإنفاق الدفاعي للسنة المالية 2026 بقيمة 838.7 مليار دولار، في واحدة من أضخم موازنات التسلح في تاريخ الولايات المتحدة. بهذا القرار، لا تكتفي واشنطن بتكريس تفوقها العسكري، بل تؤكد مرة أخرى أن القوة الخشنة ما تزال حجر الزاوية في تصورها لدورها العالمي، حتى في ظل أزمات مالية داخلية متفاقمة وحديث متكرر عن الانضباط المالي.
الرقم وحده كاشف: فالإنفاق العسكري الأميركي يفوق مجتمعًا ما تنفقه قوى عالمية كبرى مثل الصين وروسيا والهند وأوروبا الغربية. وبينما تحاول دول كبرى موازنة احتياجاتها الدفاعية مع التنمية الاجتماعية، تمضي الولايات المتحدة في مسار تصاعدي يجعل ميزانيتها العسكرية أقرب إلى عقيدة سياسية لا تخضع للمساءلة.
المفارقة أن هذا المبلغ يتجاوز طلب وزارة الدفاع نفسها بنحو 8.4 مليارات دولار، رغم أنه لا يلبي كامل الزيادات التي سعى إليها البنتاغون لاحقًا، والتي تجاوزت 50 مليار دولار. هذا التناقض يعكس خللًا بنيويًا في آلية إعداد الموازنة الدفاعية، حيث تتراكم ما يُسمى بـ"فجوات التمويل"—وقد بلغت هنا 26.5 مليار دولار—نتيجة سوء التقدير، أو تضارب الحسابات، أو تعمد تضخيم البرامج لإعادة تدويرها سياسيًا داخل الكونغرس.
منتقدو هذا المسار يرون أن المشكلة ليست في حجم التهديدات، بل في غياب القدرة المؤسسية على التخطيط الرشيد. فالبنتاغون، الذي يدير عشرات برامج التسلح العملاقة، فشل مرارًا في الالتزام بالجداول الزمنية أو الميزانيات المقررة، ما يحول الإنفاق الدفاعي إلى قناة دائمة لتحويل الأموال نحو مجمع صناعي–عسكري مترسخ النفوذ، أكثر من كونه استجابة دقيقة لأولويات الأمن القومي.
ولم يقتصر تدخل الكونغرس على سد الثغرات، بل أضاف تمويلًا لبرامج لم تطلبها القوات المسلحة أصلًا، بل سعت أحيانًا إلى إلغائها. فقد أُدرج نحو 897 مليون دولار لمقاتلة بحرية من الجيل السادس (F/A-XX)، وجرى الإبقاء على 1.1 مليار دولار لطائرة الإنذار المبكر (E-7 Wedgetail) رغم رغبة سلاح الجو في إنهاء البرنامج. كما خُصصت مئات الملايين لمركبات عسكرية تكتيكية دعا الجيش نفسه إلى وقفها.
هذه الإضافات تُعد نموذجًا كلاسيكيًا لما يُعرف بـ"إنفاق البراميل الانتخابية"، حيث تُوجَّه الأموال لخدمة مصالح صناعية ومحلية مرتبطة بدوائر انتخابية محددة، لا لحاجات عملياتية مُثبتة. وهكذا تتضخم بنود الذخائر والمنصات القديمة والأنظمة الموروثة، بينما تتراجع معايير الجدوى والمساءلة.
ومن اللافت للأمر أن لجنة القواعد في مجلس النواب منعت طرح تعديلات كانت ستحد من الإنفاق أو تُقيّد صلاحيات الرئيس في استخدام القوة العسكرية. اقتراحات لتقييد عمليات عسكرية محتملة في فنزويلا، أو لإعادة الاعتبار لدور الكونغرس في إعلان الحروب، جرى إسقاطها إجرائيًا قبل النقاش. هذا الإغلاق السياسي لا يقل دلالة عن الأرقام نفسها، إذ يعكس توافقًا مؤسسيًا على تحييد أي نقاش جدي حول كلفة القوة وحدودها.
تاريخيًا، تأتي هذه الموازنة امتدادًا لعقود من النمو المتدرج في الإنفاق العسكري الأميركي، الذي تجاوز نصف تريليون دولار سنويًا لأكثر من عشر سنوات. وفي كل مرة، تُضاف مليارات جديدة فوق طلبات السلطة التنفيذية، بينما تكافح البرامج المدنية—من الصحة إلى التعليم والبنية التحتية—للحفاظ على مستويات تمويلها. والنتيجة اختلال مزمن في ترتيب الأولويات الوطنية.
أنصار المشروع يبررون هذا السخاء باعتبارات الجاهزية العسكرية، وردع الخصوم، وطمأنة الحلفاء في زمن "التنافس بين القوى العظمى". لكن المعارضين يحذرون من أن هذا النهج لا يردع بقدر ما يغري، ولا يحمي بقدر ما يوسع شهية التدخل الخارجي، ويستنزف موارد كان يمكن أن تعالج أزمات داخلية بنيوية.
ومع أن مشروع القانون يتجه إلى مجلس الشيوخ قبل 30 كانون الثاني الحالي لتجنب شلل حكومي، إلا أن ملامحه الأساسية تكشف عن حقيقة صلبة: في واشنطن، يبقى الإنفاق العسكري أحد أكثر السياسات حصانة من النقد، حتى مع تزايد الأسئلة حول الكفاءة، والمساءلة، والغاية الإستراتيجية.
وتعكس هذه الموازنة تصورًا أميركيًا راسخًا بأن الأمن لا يُقاس إلا بتراكم القوة الصلبة. فبدل الاستثمار المتوازن في الدبلوماسية والاقتصاد والتنمية، تُراكم واشنطن أدوات الحرب باعتبارها اللغة الأكثر فاعلية في إدارة العالم. هذا الهوس بالتفوق العسكري لا يحمي الولايات المتحدة من الاستنزاف، بل يعيد إنتاج منطق الصراع الدائم، حيث تصبح القوة غاية بحد ذاتها لا وسيلة ضمن رؤية شاملة للأمن.
والأخطر من حجم الإنفاق هو الاستعداد السياسي لاستخدامه. فحجب التعديلات التي تقيد صلاحيات الحرب يكشف عن نزعة مؤسسية تمنح الرئيس هامشًا واسعًا للتحرك العسكري دون رقابة حقيقية. حين تُموَّل القوة بلا قيود، يصبح اللجوء إليها خيارًا سهلًا، وتتحول المغامرات الخارجية من استثناء إلى أداة عادية في السياسة الأميركية.
وبينما تنفق الولايات المتحدة أضعاف ما ينفقه العالم مجتمعًا على التسلح، يدفع النظام الدولي ثمن هذا الخلل. سباقات تسلح، توترات إقليمية، وتآكل لمفاهيم الأمن الجماعي. فالتفوق الأميركي الساحق لا ينتج استقرارًا عالميًا، بل يدفع الآخرين إما إلى الاحتماء تحت مظلته أو إلى البحث عن وسائل غير متكافئة لموازنته، ما يفاقم هشاشة النظام الدولي.





שתף את דעתך
ميزانية بلا سقف: الولايات المتحدة تواصل عسكرة أولوياتها بأرقام قياسية