ليست الحرب، حين تُستحضَر بوصفها "محتملة"، حالة انتظار عسكري فحسب، بل امتحانًا عميقًا للوعي الجمعي. إنها تلك المنطقة الرمادية التي يتآكل فيها الإحساس بالأمان، وتفقد اللغة براءتها، ويغدو القلق ممارسة يومية. في الشرق الأوسط، لا تحتاج الحرب إلى أن تقع كي تُغيّر سلوك الناس؛ يكفي أن تُلوَّح بها حتى تبدأ الحياة بالتراجع خطوة إلى الوراء.
الحرب المحتملة حول إيران ليست صراعًا تقنيًا حول ملف نووي، ولا مواجهة عسكرية قابلة للقياس بميزان الربح والخسارة. إنها اشتباك مع المعنى، ومع سرديات متراكمة ترى في الاستهداف نفيًا للوجود، وفي الصمود إعادة إنتاج للهوية. إيران، في هذا السياق، ليست مجرد دولة داخل نظام دولي مأزوم، بل كيان تشكّل وعيه السياسي عبر تاريخ طويل من الحصار والشك، ما يجعل أي تهديد يُقرأ بوصفه مسًّا بالذات قبل أن يكون إجراءً تفاوضيًا.
من هنا، يبدو الحديث عن "ضربة محدودة" نوعًا من التواطؤ اللغوي. فالأماكن المثقلة بالذاكرة لا تعرف المحدود، والشعوب التي راكمت أثمانًا تاريخية لا تفصل بين الألم والكرامة. ما يُدار في غرف القرار على أنه فعل محسوب، يُستقبل في الوعي الجمعي كحدث وجودي، وهذا وحده كفيل بتحويل أكثر السيناريوهات انضباطًا إلى مسار مفتوح على الانفلات.
في الجهة المقابلة، يتحرك الخوف بملامح عقلانية: ردع، توازن قوى، خطوط حمراء، ورسائل تُصاغ بعناية شديدة. غير أن الخوف، مهما تحصّن بالمصطلحات، يبقى خوفًا من اللحظة التي ينهار فيها الحساب، من الخطأ الصغير الذي لا يُغتفر، ومن الرسالة التي تُكتب للردع فتُقرأ كإعلان حرب. في هذه المنطقة، لا تُقاس الكلمات بنوايا قائلها، بل بتاريخ متلقيها، ولهذا تصبح النبرة سلاحًا، ويغدو الصمت تهديدًا، ويتحوّل الانتظار ذاته إلى عبء نفسي ثقيل.
الشرق الأوسط، في هذه اللحظة، يبدو كجسدٍ مُنهكٍ يعيش على حافة التشنّج. الممرات البحرية شرايين مكشوفة، وأي ضغطٍ فيها يُربك العالم بأسره. وأسعار الطاقة ليست مؤشرات اقتصادية مجردة، بل ترجمة مباشرة لهشاشة الحياة اليومية، لدفء البيوت، لاستقرار العمل، ولمدى قدرة المجتمعات على تحمّل قلق إضافي. هكذا، تمتد الحرب المحتملة إلى تفاصيل لا تُذكر في بيانات الجيوش، لكنها تُحسّ في نبض الناس.
وفي قلب هذا المشهد، يقف الإنسان العادي خارج الحسابات الكبرى. جنود يحملون صور أحبّتهم في جيوب الزيّ الرسمي، صحفيون يكتبون وهم يدركون أن الحقيقة قد تُصاب قبل أن تُنشر، وأمهات تعلّمن الانتظار حتى صار مهارة قاسية بلا أفق. في الحروب المحتملة، يعيش الناس في صيغة الشرط: إذا اندلعت، إذا لم تندلع، وبين الاحتمالين يتآكل العصب الجمعي بصمتٍ ثقيل.
بالنسبة لمن يكتب من القدس أو إليها، لا تُقرأ هذه الحرب بوصفها حدثًا بعيدًا أو منفصلًا. فالمنطقة التي اعتادت إدارة الصراع بدل حلّه تعرف أن أي انفجار إقليمي كبير يعيد ترتيب الأولويات على حساب الضعفاء، وأن الضجيج الدولي غالبًا ما يُستثمر لتكريس وقائع قائمة تحت ستار "الانشغال الأكبر". من هنا، تبدو الحرب المحتملة حول إيران جزءًا من مناخ عام يُعيد إنتاج القلق، ويؤكد هشاشة العدالة في نظام دولي لا يتحرك إلا حين تُمسّ مصالحه.
ومع ذلك، لا يخلو المشهد من رجاءٍ صلب، لا يقوم على الوهم بل على معرفة عميقة بكلفة الكارثة. فالسياسة، حين تتذكر حدود القوة، قادرة على ابتكار مخارج أقل دموية: وساطات تُخفف من فائض المعنى العدائي، تفاهمات مرحلية تمنع الانفجار، ولغة أقل استعراضًا وأكثر وعيًا بثقل الكلمات. الرجاء هنا ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة وجودية في منطقة تعرف جيدًا كيف تبدأ الحروب، ولا تعرف كيف تنتهي.
في المحصلة، ليست الحرب المحتملة حول إيران سؤالًا عن المنتصر، بل عن الثمن، وعن الذين سيدفعونه دون أن يكونوا طرفًا في القرار. لذلك تبقى الكتابة، في مثل هذه اللحظات، فعل مقاومة هادئ: محاولة للإبقاء على الحسّ الإنساني حيًا وسط ضجيج الحسابات، وتذكيرٌ بأن وراء كل خريطة وجوهًا، ووراء كل تهديد قلوبًا، ووراء كل قرار تاريخًا لا يُمحى بالقوة.
هكذا يقف الشرق، مرة أخرى، على حافة المعنى: لا يصرخ، لا يساوم، بل يُنصت... علّ الإنصات يسبق السقوط.
א 25 ינו 2026 10:12 am - שעון ירושלים





שתף את דעתך
الحرب المحتملة حول إيران: الشرق حين يُمتحَن في وعيه