ה 22 ינו 2026 10:02 am - שעון ירושלים

خطف مادورو.. رسالة ترمب إلى العالَم: أمريكا هي الأقوى

ما إن استيقظ العالَم على ما حصل في فنزويلا من توجيه ضربات أمريكية سريعة وحاسمة ومفاجئة، وخطف رئيسها وزوجته من غرفة نومهما واقتيادهما إلى نيويورك لمحاكمتهم، حتى توالت البيانات والتحليلات المختلفة الصادرة من بعض الدول، المنددة بما حصل ومن بعض المحللين السياسيين والكُتّاب، وجميعها تناولت الموضوع مِن منطلق مثالي خيالي عاطفي لا مِن منطلق واقعي عملي عقلاني، وجاءت هذه البيانات والتحليلات تحت عناوين مختلفة مثل (العملية في فنزويلا تَعدٍ صارخٌ على القانون الدولي والشرعية الدولية)، (اعتقال رئيس فنزويلا يعتبر انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة)، (أمريكا البلطجية)، (ما قامت به أمريكا تَعدٍ صارخ على سيادة دولة أخرى من المفروض احترامها والحفاظ عليها)، (ترمب البلطجي)، (ترمب يتصرف كرئيس عصابة). وبطبيعة الحال كُلَّ ذلك يَنُم عن الضعف وقلة الحيلة، كالصين التي اعتبرت وعلى لسان وزارة الخارجية ذلك تَعدٍ على الشرعية الدولية، وطالبت بالإفراج عن مادورو رغم أنَّ خطف مادورو رسالة موجهة إلى الصين كإحدى الدُول المستفيدة من بترول فنزويلا وهي حليفٌ لها.
إن ما قام به ترمب يندرج تحت عنوان البقاء للأقوى، من هذا المنطلق فإن كُلَّ الدُّول سابقاً، ستبقى تعمل وتسعى من أجل مصلحتها على كل المستويات: السياسية والجغرافية والاجتماعية والمائية، حتى وإن تعارضت مصلحة دولة مع دولة أخرى، فهنا تسعى الدولة الأقوى للحفاظ على مصلحتها للسيطرة على الدولة الضعيفة؛ لأن الذي يحكم العلاقات الدولية في هذه الحالة هي القوة والقوة فقط، فالدولة الأقوى هي التي تستطيع أن تفرض نفسها كشخصية معنوية، وأن تفرض شروطها وتلزم الدولة أو الدول الأخرى الأضعف بتنفيذ قراراتها وتلبية شروطها.
فمادورو -رغم أن فنزويلا بقيادته وجميع دول أمريكا اللاتينية مجتمعة، وليس منفردة، لا تستطيع مجابهة الوحش الأمريكي- رفض السير تحت المظلة الأمريكية وشروطها، لأنه زعيم وطني احتفظ بكرامته وكبريائه، وبقي على ولائه وانتمائه لبلده مثل باقي بعض الزعماء في دول أمريكا اللاتينية، ومنهم سلفه هاغو تشافيز والرئيس الكوبي الراحل فيدل كاسترو، رغم أن بلديهما تقعان ضمن الخارطة الجغرافية لأمريكا.
ترمب ليس مغروراً ولا متهوراً ولا عابراً ولا حالة طارئة على السياسة الأمريكية، فهو امتداد لسياسة عبر عقود من الزمن، ولكنني سأختزلها منذ قامت أمريكا بضرب هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين أثناء الحرب العالمية الثانية، حين بدأت أمريكا بالصعود، والخطوة الثانية كانت عندما وَقَّعَعت مع بريطانيا اتفاق (إيجار واستئجار– ادفع وارفع) الذي بموجبه زودت أمريكا بريطانيا بالأسلحة، الأمر الذي حسم الحرب العالمية الثانية لصالح دول الحلفاء بقيادة بريطانيا، ليشهد العالم بعد ذلك انطلاق الحرب العالمية الثالثة والمعروفة باسم الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي، وذلك بعد السقوط المدوي لبريطانيا وفرنسا بعد عدوانهما الثلاثي على مصر عام 1956، لتنتهي هذه الحرب (الحرب الباردة) بتفكيك الاتحاد السوفييتي، ليعلن بعد ذلك الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب تَشَكُّل وتشكيل النظام الدولي الجديد، وهو النظام الدولي الأمريكي أحادي القطب، الذي تلاه قيام أمريكا بقيادة تحالف لتدمير وتحطيم العراق، وإجباره بالقوة العسكرية على الانسحاب من الكويت، الذي كان معناه تَرَبُّع أمريكا على عرش العالم بدون منازع، وأن أمريكا هي الآمر الناهي وهي شرطي العالَم.
وامتداداً لهذه السياسة قام بوش الابن باحتلال أفغانستان، ومن ثم أعلن سياسةً جديدةً في إطار تشكيل النظام الدولي الجديد، وهي سياسة بُنيت على (من ليس معي فهو ضدي) وهذا يعني أن بوش الابن لم يكتفِ حتى بحياد الدول، بل يريد أن تكون معه، فهو لم يقبل حتى بالحلول الوسط، فإما معي أو ضدي.
ورغم ما يُقال عن تهور ترمب ومغامراته، فإنه من المعروف أن السياسة الأمريكية تحكمها مؤسسات ودوائر تُشرف عليها وتقودها عقول فذة وخبراء متمرسون سياسياً، عسكرياً واقتصادياً، فترمب ليس متهوراً ولا مغامراً ولا يتصرف كرئيس عصابة أو بلطجي -وبالطبع ترمب كغيره من الزعماء الأمريكيين يريد ألّا يخرج من البيت الأبيض إلا وقد ترك بصمته على مجرى السياسة الخارجية الأمريكية، وهو بلا شك يرغب في أن يكون رئيساً أمريكياً مميزاً وبامتياز- وإنما يتعامل من منطلق أنه الأقوى، والسيد المطاع، وهو رئيس يقود أقوى دولة تستطيع في ساعات أو أسابيع إنهاء دولة وإقامة دولة أُخرى بدلاً منها، وهو يعتبر أنه لم يَعتدِ على الشرعية الدولية، فَمَا هي الشرعية الدولية أصلاً؟ أَلَيسَت شرعيةَ الأقوياء ضد الضعفاء؟! أَلَيسَت هي شرعيةُ الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، التي قسّمت العالم كما يطيب ويحلو لها بحسب مصالحها وأهوائها؟! أَوَ لَيسَت هذه هي شرعية الغاب؟!
والآن كل المصالح تراجعت وضعفت، ولم يبقَ على المسرح الدولي إلا مصلحة واحدة وشرعية واحدة، وقانون واحد، وهو يحدد مصالح باقي الدول السياسية والاقتصادية والجغرافية والمائية، وأعتقد حتى الاجتماعية، فها هو ترمب يحذر إيران من مغبة التطاول على المتظاهرين، والعالَم كله ينتظر ضربة أمريكية لإيران، فهي قاب قوسين أو أدنى، والكل ينتظر لحظة الصفر عدا غرينلاند التي يريد ترمب شراءها، وكأنه يريد شراء علبة "ويسكي" من محل تجاري، ولم يكلف نفسه -على فرض أن له حقاً في ذلك- عناء إرسال وفد إلى فنزويلا لشراء بعض ثرواتها، فهو يريد غرينلاند، وفقط يريدها من منطلق أنه بالقوة يستطيع شراء أي شيء، وكأن الكرة الأرضية ملكه.
أقول ذلك رغم أنني كنت من المتفائلين بأننا على أبواب نظام دولي متعدد الأقطاب بظهور روسيا والصين الى جانب أمريكا، وأن الأخيرة بدأت تضعف رويداً رويداً، هكذا كان تحليلي عندما بدأت الحرب في سوريا عام 2011، لكن الحقيقة -وهي حقيقة مرة- أن روسيا تحديداً ما زالت بعيدة كل البُعد عن أن تكون نداً لأمريكا، ولقد ثبت ذلك منذ رحيل الرئيس السوري بشار الأسد، ذلك أن الذي كان يُثَبِّت الأخير وأركان نظامه في سوريا هي روسيا والصين وايران، وما دامت روسيا لم تستطع إبقاء وحماية بشار الأسد على رأس الدولة في سوريا فهي ضعيفة، والذي قرر رفع الغطاء عن الرئيس السوري حسب اعتقادي أمريكا بالتنسيق مع بعض الدول، ومنها روسيا.

תגים

שתף את דעתך

خطف مادورو.. رسالة ترمب إلى العالَم: أمريكا هي الأقوى

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.