في قراءة نُشرت في صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، قدّم موشيه إلعاد تحليلاً وقراءة إسرائيلية لتداعيات الأحداث الاخيرة في سوريا وتقدم القوات السورية في الشمال السوري وسيطرة القوات السورية على حقول النفط والغاز وانعكاساتها الداخلية والإقليمية، إلعاد هو أكاديمي إسرائيلي، أستاذ محاضر في الكلية الأكاديمية بالجليل الغربي، وعقيد سابق في الجيش الإسرائيلي، ويُعرف بتحليلاته السياسية والاستراتيجية لشؤون الشرق الأوسط، وهو ما يمنح قراءته بعداً يعكس رؤية المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ومخاوفها العميقة من التحولات الجارية في الساحة السورية.
تحاول القراءة الإسرائيلية التي قدّمها موشيه إلعاد حول سيطرة القوات السورية على حقول النفط والغاز أن تبدو توصيفية وواقعية، لكنها في جوهرها قراءة قلقة ومشحونة بهواجس استراتيجية إسرائيلية أكثر مما هي تحليل محايد لتطور ميداني سوري داخلي، إذ تكشف اللغة المستخدمة عن خوف عميق من عودة الدولة السورية بوظيفتها المركزية لا من مجرد تغير في خرائط السيطرة أو تراجع نفوذ هذا الفاعل أو ذاك .
فالحديث عن أن ما جرى “حدث ذو دلالة إقليمية عميقة” ليس توصيفا بريئا بل اعتراف ضمني بأن أحد أعمدة مشروع تفكيك الدولة السورية منذ عام 2011 يتعرض للاهتزاز، وأن السيطرة على الطاقة تعني استعادة أحد أعصاب السيادة التي لا تقوم دولة حديثة من دونها، فإسرائيل التي راهنت طويلا على بقاء سوريا دولة منهكة مفككة بلا موارد تدرك أن النفط والغاز ليسا مجرد دخل اقتصادي بل شرط سياسي لإعادة بناء المركز وفرض القرار الوطني واستعادة أدوات التفاوض الإقليمي .
اللافت في قراءة إلعاد هو إصراره على تصوير استعادة الدولة لمواردها كفعل “خطر” ومهدد للأقليات، في حين يتجاهل عمدا حقيقة أن تفكك الدولة وانتشار الكيانات المسلحة هو ما فتح الباب تاريخيا للمجازر والاقتتال الأهلي، وأن التجربة السورية خلال سنوات الحرب أثبتت أن المناطق الخارجة عن سلطة الدولة لم تكن أكثر أمنا ولا أكثر استقرارا بل كانت ساحات مفتوحة للتدخل الخارجي وللاقتتال العشائري وللهيمنة الأمريكية والتركية المباشرة .
أما تحميل السيطرة على الحقول النفطية مسؤولية “انكسار مشروع روج آفا” وممر داود التي كانت تحلم به إسرائيل، فيكشف انحياز التحليل لا موضوعيته لأن هذا المشروع منذ نشأته لم يقم على حق تقرير المصير بقدر ما قام على وظيفة أمنية وعسكرية مرتبطة بالوجود الأمريكي وبحرب الوكالة ضد داعش، وحين يتحدث إلعاد عن سلب الأساس الاقتصادي للحكم الذاتي فهو يتجاهل حقيقة أن هذه الموارد لم تكن يوما ملكا لقوة محلية بعينها بل ثروة وطنية سورية جرى توظيفها في سياق حرب دولية على الدولة السورية .
وفي هذا السياق يظهر القلق الإسرائيلي من تخلي العشائر العربية عن التحالف الكردي، لا بوصفه حرصا على الاستقرار بل خوفا من انهيار أحد أنماط الإدارة غير المباشرة التي سمحت بإبقاء الشرق السوري خارج المعادلة الوطنية الجامعة، فالعشائر بالنسبة لتل أبيب وواشنطن ليست فاعلا اجتماعيا له مصالح وطنية بل ورقة يمكن توظيفها أو خسارتها في لعبة النفوذ .
أما الحديث عن “معضلة واشنطن” فهو في حقيقته توصيف لحالة الانكشاف الأمريكي، إذ بات واضحا أن الولايات المتحدة لم تعد راغبة ولا قادرة على خوض صراع مفتوح للحفاظ على ترتيبات ما بعد داعش، وأن سياسة “إبعاد النيران” ليست استراتيجية بقدر ما هي إدارة انسحاب تدريجي ومحاولة حفظ ماء الوجه، وهو ما يفسر شعور الحلفاء المحليين وعلى رأسهم قوات قسد بأنهم أمام تكرار سيناريوهات التخلي الأمريكية من أفغانستان إلى شمال العراق سابقا .
وفي جوهر القراءة الإسرائيلية يظهر التناقض الأوضح، حين يعترف إلعاد بأن إسرائيل تفضّل “عدم استقرار مسيطرا عليه” على وجود دولة سورية موحدة وقوية، فهذه الجملة تختصر العقيدة الأمنية الإسرائيلية في سوريا والتي لا ترى في وحدة الدولة واستعادة سيادتها عاملا للاستقرار بل تهديدا طويل الأمد حتى في غياب الأسد، وحتى مع افتراض ابتعاد دمشق عن طهران، لأن المشكلة بالنسبة لإسرائيل ليست في هوية النظام الحاكم في سوريا بقدر ما هي في وجود دولة تمتلك قرارها وحدودها ومواردها .
من هنا فإن استعادة الشمال وحقول النفط لا يمكن قراءتها فقط كتحول اقتصادي أو عسكري بل ككسر تدريجي لمعادلة التقسيم الوظيفي التي سادت خلال سنوات الحرب، حيث جرى توزيع الجغرافيا السورية على مناطق نفوذ دولية وإقليمية وإعادة هذه الموارد إلى يد الدولة تعني بالضرورة إعادة فتح سؤال السيادة وإعادة ترتيب العلاقة بين المركز والأطراف خارج الشروط الأمريكية والإسرائيلية .
القراءة الإسرائيلية إذن ليست تحذيرا من الفوضى بقدر ما هي تعبير عن خوف من الاستقرار حين يأتي على قاعدة وطنية مستقلة، فاستقرار لا يخضع للتفكيك ولا للإدارة من الخارج هو السيناريو الأكثر إزعاجا لتل أبيب، وهو ما يفسر هذا القلق المكشوف من “سوريا القوية” حتى لو جاءت بصيغة جديدة وبوجوه مختلفة .
وفي المحصلة فإن ما يجري ليس مجرد معركة على النفط، بل معركة على معنى الدولة في سوريا، وعلى من يملك قرار الثروة والحدود والسيادة، وهو ما يجعل هذا التطور محط متابعة إسرائيلية دقيقة، لا لأن فيه خطرا آنيا بل لأنه يؤشر إلى نهاية مرحلة وبداية أخرى لم تعد فيها سوريا مجرد ساحة، بل مرشحة لأن تعود لاعبا، وإن كان الطريق لا يزال طويلا ومليئا بالمخاطر .
ה 22 ינו 2026 9:57 am - שעון ירושלים





שתף את דעתך
قراءة في العقل الإسرائيلي لما يحدث في سوريا: بين مشروع الهيمنة والطموح إلى التقسيم