ד 21 ינו 2026 10:03 am - שעון ירושלים

"مجلس السلام"... مخاوف من بديل قسري يستند للقوة والمال

د. أحمد رفيق عوض: المجلس بهذا الشكل سيؤدي لخلق قوة غاشمة لا تلتزم بالقانون والإجماع الدولي ومهيمنة على الأحداث العالمية
خليل شاهين: تشكيل المجلس ليس مجرد هيئة موازية للأمم المتحدة بل ليكون بديلاً عن دورها في حل النزاعات وإدارة الأزمات العالمية
د. أسامة عبد الله: اشتراط الدفع المالي للدخول بإطار سياسي يعني نقل العلاقات الدولية من إطارَيها القانوني والمؤسسي إلى إطار تجاري
سليمان بشارات: هذه الخطوة جزء من رؤية شمولية للحركة الصهيونية العالمية ويسعى من خلالها ترمب لتفكيك المنظومة الدولية الحالية
د. عبد المجيد سويلم: مؤسسات الأمم المتحدة أصبحت تحت ضغط أمريكي مستمر ما يجعل القانون الدولي بنظر الطغمة الجديدة مجرد أداة للتهكم
محمد الرجوب: طرح ترمب يتجاوز مسألة التمويل ليصل إلى محاولة إعادة تعريف الشرعية الدولية ومصادر القوة في النظام العالمي

 يثير طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المتداول حول ما يُسمّى "مجلس السلام"، واشتراط دفع مليار دولار على الدول الراغبة في الانضمام إليه، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والأكاديمية، وسط تحذيرات من أن هذه الخطوة لا تتعلق بتمويل آلية جديدة فحسب، بل تمس جوهر النظام الدولي القائم منذ عقود، وتفتح الباب أمام إعادة تعريف مفاهيم الشرعية الدولية وإدارة السلم والأمن العالميين خارج إطار الأمم المتحدة.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن المجلس المقترح قد يمثل محاولة لإقامة هيئة دولية بديلة تتمتع بمرونة مالية وسياسية عالية، وتُدار وفق منطق القوة والصفقات يترأسها دونالد ترمب شخصياً، بما يسمح بالتدخل السريع في النزاعات، وفرض تسويات تخدم المصالح الأمريكية، دون التقيد بالقانون الدولي أو منظومة العدالة والحقوق الإنسانية التي تمثلها مؤسسات أممية قائمة. ويرى الكتاب والمحللون أن تحويل السلام إلى مشروع مشروط بالقدرة على الدفع يعني الانتقال من مبدأ المساواة السيادية إلى منطق "من يموّل يقرّر".
وفي السياق الفلسطيني، يحذر الكتاب والمحللون من تعاظم المخاوف من أن يُستخدم هذا المجلس لتمرير حلول تتجاوز قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالاحتلال واللاجئين والقدس، ولفرض وصاية سياسية واقتصادية على قطاع غزة، وربما لاحقاً على الضفة الغربية، في ظل تهميش الدور الأممي وتراجع مكانته. ويُحذّرون من أن نجاح هذا الطرح، حتى بشكل جزئي، قد يكرّس نظاماً دولياً أحادياً قائماً على الهيمنة والابتزاز المالي، ويقود إلى إضعاف التعددية الدولية، مع تداعيات لا تقتصر على القضية الفلسطينية، بل تمتد إلى استقرار النظام العالمي برمّته.

خطوة خطيرة

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض أن طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من الدول الراغبة في الانضمام إلى مجلس السلام دفع مبلغ مليار دولار يمثل خطوة خطيرة على الصعيد الدولي، مشيرًا إلى أن الهدف من هذه الأموال هو تمويل تدخلات واسعة للمجلس في إدارة الأزمات والصراعات الدولية.
ويوضح عوض أن هذه الأموال تهدف إلى تحويل المجلس إلى مؤسسة فعالة وقادرة على فرض شروطها وتغيير الأوضاع في مناطق مختلفة من العالم عبر القوة أو التحالفات، أو من خلال تشجيع أطراف على الانشقاق وتشكيل حكومات جديدة.
ويوضح أن ميزانية المجلس، المفترضة بهذا الحجم، تجعله أداة للتدخل السريع واتخاذ الحلول بشكل أكثر فعالية من المنظومة التقليدية للأمم المتحدة، بما في ذلك الهيئات القانونية والإنسانية مثل محكمة العدل الدولية، والجنائية الدولية، ومنظمات حقوق الإنسان، والأونروا، واليونيسيف، ومنظمة الفاو.

مجلس يخلق قوة غاشمة

ويشير عوض إلى أن مجلس السلام، بهذا الشكل، هو مجلس قوة أمريكي يتمتع بمرونة وفاعلية كبيرة، قادراً على تقديم مكافآت أو رشاوى وتغيير الأوضاع وفق مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يعكس نظامًا عالمياً جديداً تريده واشنطن لتكون قطباً وحيداً دون الأخذ بعين الاعتبار أي مصالح أو أقطاب دولية أخرى.
ويؤكد عوض أن تشكيل المجلس بهذا الشكل سيؤدي عملياً إلى خلق قوة غاشمة، لا تلتزم بالقانون الدولي أو الإجماع الدولي، وتكون مهيمنة على الأحداث العالمية بما يخدم المصالح الأمريكية فقط.
ويعتبر عوض أن هذه الخطوة تعكس شك ترمب في الأمم المتحدة واتهامه لها بالكسل وعدم النجاعة، مشيرًا إلى أن الهدف الحقيقي هو إقامة هيئة عالمية لا تقف عائقاً أمام السياسات العدوانية الأمريكية والإسرائيلية.

محاذير اندلاع حرب عالمية ثالثة

ويحذر عوض من أن تشكيل مجلس السلام بهذه الميزانيات الضخمة قد يؤدي إلى تقلبات كبيرة في الأوضاع الدولية، وقد يصبح أحد العوامل التي تزيد من احتمالات اندلاع صراع عالمي واسع، حتى الحرب العالمية الثالثة، إذا ما تم استخدام المجلس كأداة للسيطرة والتدخل في الصراعات دون أي رادع قانوني أو أخلاقي.
ويؤكد أن تجربة ترمب السابقة مع اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وقيام المجلس بهدف تسوية الصراع في قطاع غزة، تمثل نموذجاً يريد ترمب تعميمه على العالم، ما يعكس تصميمه على إعادة تشكيل النظام الدولي وفق مصالحه الخاصة، بعيداً عن أي سلطة دولية تقيد تحركاته.

إعادة تشكيل النظام العالمي

يحذر الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين من أن الخطوة الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب في طرح ما يعرف بـ"مجلس السلام" ليست مجرد مسعى رمزي أو مبادرة للسلام، بل تمثل جزءاً من خطة أوسع لإعادة تشكيل النظام العالمي وفق رؤية أحادية القطب، تركز على الهيمنة الأمريكية المطلقة واستغلال موارد الدول الأخرى لمصلحة الولايات المتحدة.
ويشير إلى أن طلب ترمب من الدول الراغبة في عضوية دائمة في مجلس السلام دفع مبلغ مليار دولار ليس سوى أحد مظاهر سياسة الهيمنة والنهب التي يعتمدها الرئيس الأمريكي، مستشهداً بما حدث مع فنزويلا، حيث اختُطف رئيسها وتُستهدف مواردها، وخاصة النفط، وكذلك سياسات الضغط على دول الخليج العربي منذ بداية ولايته لزيادة استثماراتها في الاقتصاد الأمريكي دون أي مقابل فعلي أو حماية للأمن الإقليمي.
وبحسب شاهين، فإن المقترح الأمريكي بتشكيل المجلس ليس مجرد هيئة موازية للأمم المتحدة، بل يسعى ليكون بديلاً عن دور المنظمة الدولية في حل النزاعات وإدارة الأزمات العالمية، بما في ذلك تنفيذ المواثيق والاتفاقات الدولية التي تهدف إلى حماية حقوق الإنسان.
ويوضح شاهين أن المجلس المقترح يخضع بالكامل لإرادة ترمب، سواء في قبول الدول أو إقصائها، أو في إصدار القرارات النهائية التي تخضع لموافقة الرئيس الأمريكي، ما أثار غضب عدد من الدول الأوروبية وأثار تساؤلات عن مصير الأمم المتحدة ودورها التقليدي.
ويتطرق شاهين إلى محاولة ترمب الحصول على شرعية لمجلس السلام عبر مجلس الأمن، مؤكداً أن هذا المجلس، وفق ما جاء في القرار الأمريكي، يقتصر عملياً على قطاع غزة، ليشرف على إنهاء الحرب وإعادة الإعمار، لكنه في الوقت نفسه لا يتمتع بأي شرعية أممية فعلية، ولا ترد حتى كلمة "غزة" في نص الميثاق المقترح، ما يدل على أن الهدف الحقيقي هو إعادة تشكيل النظام العالمي لخدمة مصالح الولايات المتحدة وشعار "أمريكا أولاً"، دون مراعاة الحقوق الفلسطينية أو حقوق أي دولة أخرى.

تهميش الدور الأوروبي

ويؤكد شاهين أن هذا المخطط يشمل تهميش الدور الأوروبي، وتحويل الصراع الدولي إلى محصلة أقطاب كبرى بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى، بما قد يؤدي إلى تفكيك حلف الناتو أو تهميشه، ويشير إلى استمرار ترمب في استخدام الأساليب العنيفة في إدارة النزاعات الدولية، بما يتجاوز شعار "أمريكا أولاً".
ويرى شاهين أن رسائل ترمب الأخيرة، بما في ذلك تجاه جائزة نوبل للسلام التي أكد أنه لم يعد بحاجة لها، وموضوع احتلال غرينلاند، توضح أنه لم يعد مهتماً بمظاهر السلام الدبلوماسية، ويصر على خيار القوة كأداة رئيسية لتحقيق أهدافه.

تكريس الوصاية على الشأن الفلسطيني

وعلى المستوى الفلسطيني، يحذر شاهين من أن تشكيل مجلس السلام والمكتب التنفيذي برئاسة ملادينوف، إلى جانب اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، يكرس وصاية أمريكية مباشرة على الشأن الفلسطيني، مستبعداً السلطة الفلسطينية وحركة حماس من أي دور فعلي، ويستهدف تدمير الكيانية السياسية الفلسطينية وتهميش السلطة وإضعاف مؤسساتها، بما يهدد مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة.

الغياب الفلسطيني وخلق الفراغ

ويشير شاهين إلى أن الغياب الفلسطيني عن المفاوضات والهيئات الجديدة أدى إلى خلق فراغ يتم ملؤه بتشكيلات أمريكية-إسرائيلية، مما قد يمتد مستقبلاً إلى الضفة الغربية، لتشمل إدارة المناطق التي تديرها السلطة الفلسطينية حالياً، وبالتالي تذويب الهوية الوطنية وإلغاء أي أمل في تحويل مشروع السلطة إلى دولة مستقلة.
ويشدد شاهين على ضرورة أن تبادر القوى السياسية الفلسطينية إلى مواجهة هذه الخطط بخطوات مدروسة، تبدأ من إعادة دمج مؤسسات الحكم المدني والأمني في قطاع غزة، لمنع فرض هياكل جديدة تؤدي إلى الإقصاء الكامل لكل مكونات النظام السياسي الفلسطيني، وتحقيق توازن سياسي يمنح الفلسطينيين القدرة على إدارة شؤونهم بأنفسهم.
ويوضح شاهين أن تجاهل الفلسطينيين للجهود المصرية السابقة لتشكيل لجنة الإسناد المجتمعي أدى إلى فرض هذه الهياكل الثلاثة، مما يعكس خطورة استمرار الغياب في وضع استراتيجيات واضحة وفاعلة.
ويؤكد شاهين أن المخاطر الناجمة عن سياسات ترمب تشمل النظام الدولي بأكمله، وأن الفلسطينيين يشكلون جزءاً صغيراً ضمن رؤية أمريكية أشمل لإعادة الهيمنة والاستعمار، حيث أن الإدارة الأمريكية تتعامل مع غزة باعتبارها شأناً أمريكياً بحتاً، دون اعتبار لدور السلطة الفلسطينية أو المجتمع الدولي، ما يفرض على الفلسطينيين التحرك الفوري لتجنب فقدان كامل السيطرة على مستقبلهم السياسي.

منطق الصفقة لا الشرعية الدولية

يحذّر الباحث السياسي والأكاديمي د. أسامة عبد الله من الدلالات العميقة والخطِرة للحديث عن طلب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب من الدول المشاركة في ما يُسمّى "مجلس السلام" دفع مليار دولار، مع ترويج هذا المجلس كبديل محتمل عن الأمم المتحدة، لا يمكن قراءته من زاوية مالية فقط، بل يجب فهمه ضمن فلسفة ترمب في إدارة السياسة الدولية القائمة على منطق الصفقة لا الشرعية الدولية.
ويوضح عبد الله أن اشتراط الدفع المالي للدخول في إطار سياسي دولي يعني عملياً نقل العلاقات الدولية من إطارها القانوني والمؤسسي إلى إطار تجاري تحكمه القدرة على التمويل، بما يحوّل السلام من حق سياسي قائم على القانون الدولي إلى مشروع مشروط بالقدرة الاقتصادية.
ويرى عبد الله أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة تعريف مفهوم السلام نفسه، بحيث لا يعود مرتبطاً بإنهاء الاحتلال أو احترام قرارات الأمم المتحدة، بل بإدارة الصراع عبر أدوات اقتصادية وتمويلية.
ويشير عبد الله إلى أن هذه المقاربة تنسجم مع طرح ترمب السابق في "صفقة القرن"، التي تعاملت مع القضية الفلسطينية باعتبارها أزمة تنمية يمكن احتواؤها اقتصادياً، لا قضية تحرر وطني تستند إلى حقوق سياسية وقانونية ثابتة.

تهميش النظام الدولي

ويلفت عبد الله إلى أن الحديث عن مجلس بديل للأمم المتحدة يعكس توجهاً واضحاً لتهميش النظام الدولي القائم بدل إصلاحه، في سياق موقف عدائي من المؤسسات متعددة الأطراف، واعتبارها عائقاً أمام السياسة الأميركية، خصوصاً في الملفات المتعلقة بإسرائيل.
ويبيّن أن المخاطر الأساسية لهذا المسار تتمثل في إضعاف منظومة القانون الدولي واستبدالها بترتيبات انتقائية تُدار وفق ميزان القوة والمال، ما يفرغ قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية من مضمونها السياسي، ويحوّلها إلى مراجع تاريخية بلا أثر عملي.

شرعنة الاحتلال بصيغة جديدة

ويحذّر عبد الله من أن إنشاء إطار بديل تحت مسمى "السلام" قد يفتح الباب أمام شرعنة الاحتلال بصيغة جديدة، عبر إدارة الصراع بدل إنهائه، وتقديم حلول اقتصادية وإنسانية كبديل عن الحقوق السياسية، وعلى رأسها حق تقرير المصير وحق العودة، بما يحوّل اللاجئ الفلسطيني من صاحب حق قانوني إلى عبء إنساني يحتاج تمويلاً.
ويرجّح عبد الله استخدام هذا الطرح في المدى القريب كورقة ضغط سياسية ومالية على الدول، أكثر من كونه مشروعاً مؤسسياً متكاملاً، لكنه يحذّر من أن تطوّره إلى إطار موازٍ فعلي قد يُدخل النظام الدولي في حالة ازدواجية خطِرة، ويفتح الباب لتفكيك المؤسسات الأممية تدريجياً، بتداعيات تتجاوز فلسطين إلى بنية النظام الدولي برمّته.

مشارف مرحلة عالمية جديدة

يرى الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن العالم يقف على مشارف مرحلة جديدة، يهيمن عليها بشكل مباشر شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي يسعى لأن يكون حضوره الشخصي مهيمنًا على الصعيد الدولي.
وبحسب بشارات، فإن رغبة ترمب في تشكيل هذا الدور تأتي في سياق شعوره بعدم القدرة على الترشح لولاية ثالثة، محاولاً تعويض ذلك عبر فرض شخصيته على السياسات العالمية والتحكم بمصير قرارات الدول الأخرى من خلال أدوات اقتصادية وسياسية.
ويشير بشارات إلى أن طلب ترمب من الدول والأطراف الراغبة في الانضمام إلى المجلس الجديد دفع مبلغ مليار دولار يعكس وجهين متلازمين؛ أولاً شخصية ترمب الفردية التي تميل إلى الهيمنة والسيطرة، وثانياً ممارسة نوع من الابتزاز السياسي لدول وشخصيات يبدو أن خياراتها محدودة أمام نفوذه وقوته الاقتصادية والسياسية.
ويوضح بشارات أن هذه الخطوة تعكس طبيعة ترمب كرجل صفقات واستثمارات، يتجاوز بها القيم والمبادئ التقليدية لتشكيل تحالفات وتحكمات تخدم مصالحه الخاصة.
ويؤكد بشارات أن هذه الخطوة جزء من رؤية شمولية للحركة الصهيونية العالمية، التي يسعى من خلالها ترمب إلى تفكيك المنظومة الدولية الحالية، التي كانت أو تحولت إلى أداة لمساءلة إسرائيل، خاصة بعد الحرب على قطاع غزة. ويعتبر بشارات أن الهدف من هذه العملية هو حماية إسرائيل وتعزيز مشروعها الاحتلالي، مع رسم ملامح شكل جديد للعالم ينسجم مع مصالح الهيمنة الصهيونية، مستفيدة من أدوات القوة والضغط السياسي والمالي لتفكيك أي معارضة محتملة على الصعيد الدولي.
ويعتبر بشارات أن المرحلة المقبلة تحمل تحديات كبيرة، حيث ينعكس فيها صراع مصالح شخصية وعالمية، ويظهر الوجه الجديد للعالم الذي تحاول إدارة ترمب رسمه بما يتجاوز القوانين الدولية التقليدية ويعيد توزيع مراكز النفوذ وفق مصالح محددة وقيم استثمارية بحتة.

طغمة مالية تسعى للاستحواذ

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي د. عبد المجيد سويلم أن خطوة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في طرح "مجلس السلام" لإدارة قطاع غزة تمثل محاولة لاستبدال الأمم المتحدة ومجلس الأمن ببديل ابتزازي يخضع بالكامل لإرادته. ويوضح سويلم أن ترامب نصب نفسه رئيساً وحيداً لهذا المجلس، وهو من يمتلك الفيتو ويقرر كل شيء، ما يجعل أي تحرك أو قرار في هذا الإطار مرتبطاً بشكل كامل بموافقته.
ويشير سويلم إلى أن هذه التشكيلة الجديدة، التي وصفها بالنواة العقارية مزدوجة الطابع، تتضمن عناصر من المحافظين والأيديولوجيين، لكنها في جوهرها طغمة مالية تسعى للاستحواذ على ثروات الشعوب والسيطرة على الموارد، باستخدام كل الوسائل الممكنة، بما في ذلك الابتزاز والتصادم مع الحلفاء التقليديين.

تمرد على النظام الدولي التقليدي

ويلفت سويلم إلى أن ترمب يرى التحالفات الدولية التقليدية تحت منظور جديد يقوم على توازنات لم تعد مرتبطة بالقواعد السابقة، بما يعكس تمرداً على النظام الدولي والعلاقات الدولية والتحالفات التقليدية التي اعتُرف بها منذ الحرب العالمية الثانية.
ويوضح سويلم أن هذا التوجه الأمريكي يعكس تهميشاً كاملاً لدور الأمم المتحدة، التي فقدت قدرتها الفاعلة منذ عقود، خاصة في قضايا فلسطين، وأصبحت تُستدعى فقط لتغطية السياسات الأمريكية عند الحاجة، بينما تُعطل في أي قضية لا تخدم مصالح واشنطن.
ويرى سويلم أن مؤسسات الأمم المتحدة، سواء في خدمة إسرائيل أو أهداف أخرى، أصبحت تحت ضغط أمريكي مستمر، من عقوبات أو حصار أو تقييد، ما يجعل القانون الدولي في نظر الطغمة الجديدة مجرد أداة للتهكم.
ويشير إلى أمثلة واقعية مثل ما حدث في فنزويلا، حيث أعلنت الولايات المتحدة نيتها السيطرة على ثروات البلاد النفطية، بينما لم تتخذ الأمم المتحدة أي إجراء، ما يعكس موتاً بطيئاً لدورها ومكانتها.
وبحسب سويلم، فإن مجلس السلام الذي يطرحه ترامب يأتي في هذا السياق كخطوة متوقعة لتعويض الأمم المتحدة المنهكة والمهمشة، ومحاولة استعادة الهيمنة الأمريكية على الصعيد الدولي، مع تقليص دور الحلفاء التقليديين والتحكم في كل السياسات المتعلقة بالقضايا الدولية، بما فيها إدارة غزة.
ويرى سويلم أن كل أعضاء مجلس الأمن، سواء الدائمين أو غير الدائمين، يدركون أن الأمم المتحدة في طريقها إلى التلاشي من حيث الدور والمكانة، وأن ترمب يسعى من خلال مجلس السلام إلى ترسيخ نموذج جديد للهيمنة الأمريكية المباشرة، يعكس رؤية "الولايات المتحدة أولاً" ويؤكد تمرداً على كل المعايير الدولية التقليدية.

إعادة تعريف الشرعية الدولية ومصادر القوة

يرى الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب أن ما يُتداول حول طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من الدول الراغبة في المشاركة بما يسمى "مجلس السلام" دفع مليار دولار لكل دولة يتجاوز كونه مسألة تمويل، ليصل إلى محاولة عميقة لإعادة تعريف الشرعية الدولية ومصادر القوة في النظام العالمي، وسط أنباء عن سعي هذا المجلس ليكون بديلاً عن الأمم المتحدة.
ويوضح أن جوهر الفكرة لا يتمثل في إنشاء هيئة جديدة فحسب، بل في تحويل مفهوم السلام نفسه إلى مشروع استثماري، حيث يصبح الانضمام إلى آلية إدارة السلم والأمن الدوليين مشروطاً بالقدرة المالية لا بالتمثيل السياسي أو الالتزام بالقانون الدولي. ويعتبر الرجوب أن هذا التوجه يعكس منطقاً تجارياً في إدارة السياسة الدولية، تُقاس فيه الشرعية بالدفع والصفقات بدل الإجماع والمساواة بين الدول.

إنتاج الهيمنة والالتفاف على الأمم المتحدة

ويشير الرجوب إلى أن الدلالة الثانية للطرح الأمريكي تكمن في إعادة إنتاج الهيمنة بصيغة جديدة؛ فبدلاً من الانسحاب الصريح من المؤسسات متعددة الأطراف، يجري طرح كيان بديل تتحكم الولايات المتحدة بمفاتيحه المالية والسياسية، ليصبح التمويل أداة ضغط وإقصاء، ومن يدفع يشارك، ومن لا يدفع يُستبعد من "مائدة السلام".
أما الدلالة الثالثة، وفق الرجوب، فتتصل بمحاولة الالتفاف على القيود التي تفرضها الأمم المتحدة، خاصة ما يتعلق بالقانون الدولي الإنساني وقرارات الشرعية الدولية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، فالمجلس المقترح قد يمنح غطاءً سياسياً لتسويات مفروضة، ويعيد تعريف السلام بوصفه غياباً للصراع لا تحقيقاً للعدالة.
ويحذر الرجوب من أن الخطر الأكبر يتمثل في تقويض النظام الدولي القائم على التعددية، إذ تقوم الأمم المتحدة –رغم عيوبها– على مبدأ المساواة السيادية، وتوفر للدول الصغيرة والضعيفة صوتاً تفاوضياً ولو رمزياً، واستبدالها بمجلس ممول يعني الانتقال إلى "نادي كبار الأثرياء" تُدار فيه القضايا المصيرية بمنطق الصفقات.

فوضى قانونية وتعدد المرجعيات

ويرى الرجوب أن إنشاء مؤسسات موازية خارج إطار الأمم المتحدة يفتح الباب أمام فوضى قانونية وتعدد مرجعيات للشرعية، بما قد يبرر التدخلات العسكرية وفرض العقوبات ورعاية اتفاقات سلام لا تستند إلى القانون الدولي.
وبحسب الرجوب، فإنه في الحالة الفلسطينية، قد يُستخدم هذا المجلس لتمرير حلول تتجاوز قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالاحتلال واللاجئين والقدس، مع تهميش البعد الإنساني والحقوقي الذي تمثله وكالات أممية أساسية.
وعن السيناريوهات المحتملة، يرجّح الرجوب ثلاثة مسارات: فشل عملي للمجلس بسبب رفض دولي واسع، أو انقسام دولي يزيد الاستقطاب ويعمق شلل النظام العالمي، أو نجاح جزئي يفرض "مسار سلام مفروض" في بعض الملفات، خاصة في الشرق الأوسط، وفق ميزان القوة لا ميزان الحق.
ويشير الرجوب إلى أن طلب ترمب ليس تفصيلاً مالياً، بل مؤشر على رؤية ترى في القانون الدولي قيداً، وفي السلام صفقة، محذراً من منطق "من يدفع يقرر" بوصفه الأخطر على النظام الدولي.

תגים

שתף את דעתך

"مجلس السلام"... مخاوف من بديل قسري يستند للقوة والمال

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.