ג 20 ינו 2026 11:22 am - שעון ירושלים

مجلس السلام… غزة بين إدارة "اليوم التالي" ومخاطر الوصاية السياسية

رام الله – خاص بـ"القدس" –

د. حسين الديك: تعيين جنرال أمريكي خدم في العراق وسوريا قائداً لقوات الاستقرار الدولية يكشف جوهر المشروع وهو نزع سلاح غزة

أكرم عطا الله: تركيبة المجلس بالحضور الأمريكي يثير تساؤلات جدية حول الطروحات التي أطلقها ترمب لتحويل غزة إلى "ريفييرا"

نبهان خريشة: تشكيل المجلس دون تمثيل فلسطيني قد يؤدي إلى إدارة غزة بمعزل عن الضفة بما يعمّق الانقسام ويقوّض أي مشروع وطني

د. سهيل دياب: المشروع الأمريكي يقوم على أولوية التهدئة بالشرق الأوسط مدفوعاً بأوضاع داخلية دون التخلي عن فرض الوصاية في غزة

نور عودة: اللجنة التنفيذية تضم شخصيات لها أطماع واضحة ما يجعل مستقبل القضية الفلسطينية وخاصة قطاع غزة في دائرة الخطر

سري سمور: هناك خطر بتهميش الفصائل الفلسطينية أو تحويلها "شاهد زور" وجعل المجلس كياناً يتصرف بعقلية "المندوب السامي"


بعد الإعلان الأمريكي عن تشكيل ما يُسمّى "مجلس السلام" لإدارة شؤون قطاع غزة، تتزايد التساؤلات حول طبيعة هذا الإطار الجديد وحدود دوره في مرحلة ما بعد الحرب، وسط مخاوف من الوصاية السياسية على القطاع.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع"القدس"، أن مجلس السلام، الذي جرى تقديمه بوصفه آلية دولية لتحقيق الاستقرار وإدارة الإعمار في قطاع غزة، يثير في الوقت ذاته مخاوف واسعة من تغييب المرجعيات الدولية المعتمدة، وتهميش الدور الفلسطيني في تقرير مصير القطاع ومستقبله السياسي.
وبحسب الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات، فإن المعطيات المتداولة تشير إلى أن المجلس يتمتع بحضور أمريكي طاغٍ، مع ارتباطه بلجان تنفيذية وإدارية وأمنية مرجعيتها ذلك المجلس وليس مرتبطاً بشرعية وطنية، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات تتراوح بين إدارة إنسانية مؤقتة، أو تكريس فصل سياسي وجغرافي بين غزة والضفة الغربية، وصولاً إلى صيغة وصاية تتحكم بالقرارين الأمني والاقتصادي.
ويرون أنه لا يُستبعد أن يحقق المجلس بعض المكاسب المحدودة، كإعادة الإعمار وتخفيف الأزمة الإنسانية، غير أن هذه الفرص تبقى مشروطة بالموقف الإسرائيلي وبغياب أفق سياسي واضح، ما يجعل "مجلس السلام" محطة مفصلية قد تعيد رسم المشهد الفلسطيني، إما نحو استقرار هش أو نحو تعميق الانقسام.

تهميش لمجلس الأمن والأمم المتحدة

يحذّر أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والمختص بالشأن الأمريكي د. حسين الديك من المخاطر العميقة التي ينطوي عليها الإعلان عن ما يُعرف بـ"مجلس السلام" بقيادة الولايات المتحدة لإدارة شؤون قطاع غزة، معتبراً أنه يشكّل تطوراً بالغ الخطورة على المستويين الدولي والفلسطيني، لما يحمله من تهميش مباشر لدور مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، وانتزاع لصلاحياتها المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، ومنحها عملياً للرئيس الأمريكي دونالد ترمب ومستشاريه.
ويوضح الديك أن أخطر ما في هذا الإعلان عن المجلس يتمثل في تحويل مستقبل الشعب الفلسطيني، ومستقبل قطاع غزة تحديداً، إلى قرارات تصدر عن الرئيس الأمريكي ومجلس السلام الذي يترأسه، بعيداً عن أي مرجعية فلسطينية أو عربية أو دولية شرعية.

ارتهان كامل للإدارة الأمريكية

ويلفت الديك إلى أن تركيبة المجلس ومستشاري ترمب المعلَن عنهم، ومن بينهم شخصيات ترتبط بعلاقات وثيقة مع اللوبي الصهيوني والحكومة الإسرائيلية، تعكس انحيازاً واضحاً للرواية الإسرائيلية، ما يجعل القرار السياسي المتعلق بغزة مرتهناً بالكامل للإدارة الأمريكية.
ويبيّن الديك أن هذا الواقع يعني، عملياً، انتقاصاً مباشراً من الحق الفلسطيني، وانتزاعاً للإرادة الشعبية والسياسية الفلسطينية، في وقت لم يحصل فيه هذا المجلس على أي تفويض من الشعب الفلسطيني، ولا من منظمة التحرير الفلسطينية، ولا من سكان قطاع غزة.

عودة الوصاية والفصل بين الضفة وغزة

ويرى الديك أن السيناريو الأرجح، وفق المعطيات الحالية، هو عودة قطاع غزة إلى مرحلة شبيهة بالوصاية أو الانتداب، مع تكريس فصل سياسي وجغرافي كامل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بحيث تبقى الضفة الغربية تحت المظلة السياسية لمنظمة التحرير، بينما تُنقل مرجعية غزة إلى مجلس السلام.
ويشير الديك إلى أن ما يُعرف بـ"لجنة التكنوقراط الإدارية" ستكون مرتبطة بالمجلس التنفيذي الذي يترأسه نيكولاي ميلادينوف، والذي يشكّل حلقة وصل بين مجلس السلام ولجنة التكنوقراط الفلسطينية، في إطار إدارة جديدة للقطاع لا تستند إلى إرادة وطنية جامعة.

الهدف الجوهري بنزع السلاح

وعلى الصعيد الأمني والعسكري، يعتبر الديك أن إعلان الرئيس الأمريكي عن تعيين جنرال أمريكي خدم في العراق وسوريا قائداً لقوات الاستقرار الدولية المزمع نشرها في غزة، يكشف جوهر المشروع المطروح، والمتمثل في نزع سلاح قطاع غزة.
ويؤكد الديك أن هذا الهدف هو ذاته الذي أعلنت عنه إسرائيل منذ بداية الحرب، وفشلت في تحقيقه بالقوة العسكرية، ليجري اليوم تمريره عبر الغطاء الأمريكي والدولي.
ويوضح الديك أن القرار السياسي والعسكري بات مرتبطاً بإرادة الولايات المتحدة وحدها، وليس بالإرادة الفلسطينية أو العربية أو حتى بقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ما يشكّل خطراً استراتيجياً على القضية الفلسطينية والمشروع الوطني برمته.
ويلفت الديك إلى أن الحديث عن دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 1967 لم يعد مطروحاً، إذ يجري حصر النقاش في مستقبل غزة، وإعادة الإعمار، واللجان الإدارية، بعيداً عن أي أفق سياسي واضح.
ويستعرض الديك عدة سيناريوهات محتملة، من بينها سيناريو الفشل، في حال تبنّي مجلس السلام للرواية الإسرائيلية والسعي إلى نزع السلاح بالقوة، ما قد يقود إلى مواجهة بين القوات الدولية والفصائل المسلحة، وانهيار التجربة والعودة إلى مربع التصعيد.

فرص محتملة لتخفيف المعاناة

ويشير الديك إلى سيناريو آخر يتمثل في الاكتفاء بإدارة الوضع الإنساني والأمني دون إحداث تغيير سياسي حقيقي، عبر تهدئة مؤقتة وإعادة إعمار محدودة، وتأجيل ملف السلاح، في إطار ما وصفه بـ"فترة هدوء تسبق العاصفة".
وفي ما يتعلق بالآفاق، يرى الديك أن هناك فرصاً محتملة لتخفيف المعاناة الإنسانية والانفتاح الاقتصادي وإعادة الإعمار، لكن جميعها تبقى مرهونة بالموقف الإسرائيلي ورفع الحصار وفتح المعابر.
ويتحدث الديك عن احتمال إعادة بناء قدر من الثقة مع بعض الأطراف الدولية والإقليمية الراعية، مثل مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة، إلى جانب إمكانية توظيف هذا المسار لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، رغم ترجيحه أن التطورات الحالية تدفع نحو مزيد من الانقسام والفصل.
ويؤكد الديك على جملة من المخاطر الجوهرية، أبرزها أزمة الشرعية، والتحكم الخارجي بالقرار الفلسطيني، وغياب أي إطار ينظم العلاقة بين مجلس السلام والمؤسسات الفلسطينية الرسمية والفصائل، إضافة إلى التحدي المتعلق بنزع السلاح وغياب الأفق السياسي.
ويحذّر الديك من أن يتحول مجلس السلام إلى أداة لتجميد الصراع لا حله، بما يحمل في طياته خطر انفجار جديد للصراع في غزة والضفة الغربية على حد سواء.

توجه أميركي لفرض واقع جديد

يرى الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن الإعلان عن ما يُعرف بـ"مجلس السلام" يفتح الباب أمام سيناريوهات معقّدة، تعكس توجهاً أمريكياً واضحاً لفرض أمر واقع جديد على مختلف الأطراف، بما يوحي بأن عجلة ما تُسمى بالمرحلة الثانية قد انطلقت فعلياً دون انتظار توافقات فلسطينية أو إقليمية مكتملة، رغم مؤشرات سلبية تصدر من إسرائيل تنذر بوضع عقبات أمام هذه المرحلة.
ويوضح عطا الله أن سلسلة الخطوات المتلاحقة، من تشكيل مجلس السلام بداية وترابطها بلجان أخرى، إلى إنشاء اللجنة الفلسطينية "لجنة التكنوقراط"، مروراً باللجنة الوسيطة، وصولاً إلى اللجنة التنفيذية برئاسة نيكولاي ميلادينوف، تشير إلى وجود قوة دفع أمريكية كبيرة تقود هذا المسار.
ويعتبر عطا الله أن تركيبة المجلس وطبيعة تشكيله تعكسان حضوراً أمريكياً طاغياً، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول أهداف هذا الحضور، خاصة في ضوء الطروحات السابقة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن تحويل غزة إلى منطقة استثمارية وسياحية على غرار "ريفييرا" ساحل المتوسط.
ويحذّر عطا الله من أن استمرار الأمور على هذا النحو قد يعني انتقال قطاع غزة إلى حالة من السيطرة الأمريكية شبه الكاملة، بما يترتب عليها من مصادرة لحق الفلسطينيين في اتخاذ قرارهم الوطني المستقل.

تراجع الفلسطينيين عن تقرير شؤونهم

ويؤكد عطا الله أن أخطر ما في المشهد الراهن هو تراجع الفلسطينيين عن موقع الطرف المقرر في شؤونهم، لا سيما في ما يتعلق بقطاع غزة، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول طبيعة المرحلة المقبلة وما يُحضّر لها على المستوى السياسي والأمني.
ويتساءل عطا الله عن الموقف الإسرائيلي وكيفية تفكير الحكومة الإسرائيلية حيال هذه الترتيبات والزعم بأنها غير مقبولة، فيما يشير عطا الله إلى أن نجاح أو فشل عمل اللجنة الفلسطينية "لجنة التكنوقراط" مرتبط إلى حد كبير بمدى استعداد إسرائيل لتسهيل عملها، سواء عبر فتح المعابر أو تقديم تسهيلات عملية يمكن أن تنعكس على الواقع الإنساني والمعيشي في القطاع.
ويشدد عطا الله على أن جوهر الإشكالية يكمن في طبيعة العلاقة بين مجلس السلام واللجنة الفلسطينية، متسائلاً عمّا إذا كان الدور المطلوب من هذه اللجنة يصب في خدمة المصالح الإسرائيلية-الأمريكية، أم أنه سيتجه فعلاً نحو تلبية المصالح الفلسطينية، بما يشمل تعزيز وحدة الشعب الفلسطيني، والحفاظ على التواصل السياسي والمؤسسي مع الضفة الغربية وبقية مكونات النظام السياسي الفلسطيني.

فرصة لكسر الجمود السياسي.. ولكن

يعتبر الكاتب الصحفي نبهان خريشة أن إعلان إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن تشكيل ما يُسمّى "مجلس السلام لغزة" يمثل خطوة شديدة الجدل، تحمل في طياتها آفاقاً محتملة لمعالجة مرحلة ما بعد الحرب، لكنها في الوقت ذاته تثير مخاطر وتحديات عميقة لا تقتصر على الفلسطينيين فحسب، بل تمتد إلى مجمل المشهد الإقليمي في المنطقة.
ويوضح خريشة أن التجربة التاريخية مع المبادرات الأميركية، وخاصة تلك التي صيغت خارج إطار الشرعية الدولية، تدفع إلى التعامل مع هذا الإعلان بحذر بالغ، في ظل سجل سياسي سابق كرّس انحياز واشنطن للرؤية الإسرائيلية على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية.
ويشير خريشة إلى أن المجلس، من حيث المبدأ، قد يبدو فرصة لكسر الجمود السياسي، وإيجاد إطار دولي أو إقليمي لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة، في ظل الدمار الواسع والانهيار الإنساني غير المسبوق.
ويبيّن خريشة أن إشراك أطراف إقليمية مثل تركيا وقطر قد يوفر، نظرياً، غطاءً سياسياً ومالياً لعملية إعادة الإعمار، كما يمكن أن يمنح الفلسطينيين هامشاً أوسع من الدعم مقارنة بمبادرات سابقة كانت منحازة بالكامل لإسرائيل. ويلفت خريشة إلى أن هاتين الدولتين تمتلكان علاقات مع قوى فلسطينية فاعلة، وقدرة على لعب دور الوسيط أو الضامن في أي ترتيبات مستقبلية.
غير أن خريشة يشدد على أن هذه الآفاق الإيجابية تصطدم بجملة من المخاطر الجوهرية، أبرزها طبيعة المجلس نفسه، متسائلاً عما إذا كان يشكّل أداة حقيقية لتحقيق سلام عادل، أم مجرد آلية لإدارة الأزمة بما يخدم أمن إسرائيل ويعيد إنتاج واقع السيطرة والحصار بأشكال جديدة.
ويرى خريشة أن تجربة "صفقة القرن" ما تزال حاضرة بقوة، وقد رسخت انطباعاً بأن إدارة ترمب تميل إلى تجاوز الحقوق الأساسية للفلسطينيين، وعلى رأسها حق تقرير المصير.
ويؤكد خريشة أن الاعتراض الإسرائيلي العلني على إشراك تركيا وقطر يضع المجلس أمام تحدٍ بنيوي، إذ قد تعمل إسرائيل على إفشال أي دور فعلي لهما أو حصر مشاركتهما في إطار شكلي، ما يحوّل المجلس إلى ساحة صراع إقليمي بدلاً من كونه منصة للحل.

الفصل الإداري بين غزة والضفة

وعلى الصعيد الفلسطيني، يحذّر خريشة من خطر تهميش الإرادة الوطنية الفلسطينية، مؤكداً أن تشكيل المجلس بمعزل عن تمثيل فلسطيني حقيقي، أو فرض مخرجاته كأمر واقع، قد يؤدي إلى إدارة غزة بشكل منفصل عن الضفة الغربية، بما يعمّق الانقسام ويقوّض أي مشروع وطني جامع.
ويشير خريشة إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة: سيناريو شكلي يقتصر على إدارة إنسانية محدودة، وسيناريو صدام إقليمي يشلّ عمل المجلس، وسيناريو ثالث أقل احتمالاً لكنه الأكثر أهمية، يتمثل في تحوّل المجلس إلى إطار سياسي ضاغط يستند إلى القانون الدولي ويمنح الفلسطينيين دوراً فاعلاً في تقرير مستقبلهم.

مؤشرات متناقضة لمسار المرحلة المقبلة

يوضح أستاذ العلوم السياسية الدكتور سهيل دياب أن الإعلان عن "مجلس السلام" واللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة "لجنة التكنوقراط" واللجنة التنفيذية التنسيقية لمجلس السلام يعكس، شكلاً ومضموناً وتركيبة، مؤشرات متناقضة لمسار المرحلة المقبلة في قطاع غزة والمنطقة ككل.
ويوضح دياب أن هذه الخطوات تعبّر من جهة عن فشل السيناريوهات السابقة القائمة على الإبادة والتهجير والحرب المفتوحة، لكنها من جهة أخرى تفتح الباب أمام مسار محفوف بالفخاخ والمكائد السياسية.
ويشير دياب إلى أن المشروع الأمريكي الحالي يقوم على أولوية التهدئة في الشرق الأوسط، مدفوعاً بالوضعين الانتخابي والاقتصادي الداخليين في الولايات المتحدة، إلا أن هذه التهدئة لا تعني تخلي واشنطن عن سعيها لفرض وصاية سياسية واقتصادية واستثمارية على قطاع غزة، بما في ذلك التحكم بمستقبله العقاري، الأمر الذي ينذر بتصاعد التوتر في المرحلة المقبلة.
ويلفت دياب إلى أن هذه الأولوية الأمريكية تتناقض جذرياً مع الأولويات الإسرائيلية، التي تقوم على إبقاء حالة الحرب قائمة، مع الاستعداد للعودة إلى سياسات الإبادة والتهجير متى سنحت الفرصة، سواء بدوافع انتخابية لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أو بدوافع أيديولوجية.

ثلاثة سيناريوهات متصارعة

ويرى دياب أن المشهد يتجه نحو ثلاثة سيناريوهات متصارعة، حيث يتمثل السيناريو الأول في المسار الأمريكي، الذي يسعى إلى أن يكون المرجع السياسي الوحيد لما يجري في قطاع غزة، من خلال صيغة وصاية أو حالة انتدابية واضحة المعالم، معتبراً أن تركيبة "مجلس السلام" تعبّر بشكل مباشر عن هذا التوجه.
أما السيناريو الثاني وهو المسار الفلسطيني، وفق دياب، يقوم على أن يكون "اليوم التالي" في قطاع غزة فلسطينياً بامتياز، عبر توافق وطني شامل بين جميع الفصائل، وبالتنسيق مع العمق العربي والإسلامي والوسطاء، بما يفضي إلى إنجاح اللجنة الوطنية الفلسطينية، والدخول في استحقاقات عملية تشمل الانسحاب، وفتح معبر رفح، وإدخال المساعدات، وبدء إعادة الإعمار.
ويلفت دياب إلى أن السيناريو الثالث يتمثل في المسار الإسرائيلي، الذي يسعى إلى قلب الطاولة والعودة إلى الحرب بذريعة "تفكيك سلاح حماس"، مستفيداً من حاجة نتنياهو السياسية والانتخابية لمثل هذا التصعيد.
ويؤكد دياب أن هذه السيناريوهات ستبقى في حالة اشتباك وصراع مفتوح، وأن نتائج ذلك ستحدد مسارات وآفاق المستقبل السياسي والأمني في فلسطين والمنطقة.

رفع أسهم السيناريو الفلسطيني

ويبيّن دياب أن رفع أسهم السيناريو الفلسطيني يتطلب عاملين حاسمين: أولهما تعميق التوافق الفلسطيني–الفلسطيني، سياسياً واقتصادياً وجغرافياً، بين قطاع غزة والضفة الغربية، بما يؤسس لتسوية سياسية موحدة وشاملة. وثانيهما وجود مشروع عربي إسلامي فاعل، مواظب، ولا يتوقف عن الضغط والمتابعة، نظراً لارتباط ملف غزة بمشاريع إقليمية ودولية أوسع.
ويؤكد دياب أن "مجلس السلام" لا يقتصر دوره على قطاع غزة، بل يشكل غرفة إقليمية لتنفيذ الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، تمتد من سوريا ولبنان إلى اليمن والعراق.
ويشدد دياب على أن مدى تعميق التوافق الفلسطيني وفعالية التحرك العربي الإسلامي سيحددان مآلات هذا الصراع، ما لم تطرأ تطورات كبرى خارجة عن السياق، كاحتمال اندلاع حرب إقليمية واسعة.

سلام بالاسم فقط

تحذر الكاتبة والمحللة السياسية نور عودة من أن إعلان إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تشكيل ما يُعرف بـ"مجلس السلام لغزة" يمثل خطوة تنذر بتحولات خطيرة في النظام الدولي والسياسة الفلسطينية، معتبرة أن المجلس في جوهره "سلام بالاسم فقط"، إذ يسعى إلى استبدال دور الأمم المتحدة بجسم خاضع بالكامل لإرادة ترامب وأهوائه.
وتؤكد عودة أن الرئيس الأمريكي يحدد بشكل كامل عضوية المجلس ويقرر أسماء الأعضاء واستمراريتهم وطبيعة عملهم، بما في ذلك توجيه رسائل لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو حول مشاركة شخصيات محددة.

شخصيات ذات أطماع واضحة

وتشير عودة إلى أن اللجنة التنفيذية برئاسة نيكولاي ملادينوف تضم شخصيات ذات أطماع واضحة، بينهم رجل أعمال أمريكي يهودي معروف بمعاداتهم للفلسطينيين، كما يشارك في المجلس جاريد كوشنير وبول بريمر، اللذان وضعا خططاً منذ أكثر من عام لتحويل قطاع غزة إلى مساحة استثمارية لغير الفلسطينيين، ما يجعل مستقبل القضية الفلسطينية وخاصة قطاع غزة في خطر.
وتلفت عودة إلى أن كثير من الدول المشاركة أو المدعوة للمجلس معروفة بتصويتها ضد حقوق الفلسطينيين في الأمم المتحدة، وهي معادية للفلسطينيين كحكومة الأرجنتين اليمنية والباراغواي أيضاً.
وتشير عودة إلى أن ترمب يشترط دفع مليار دولار لضمان عضوية دائمة، أو أن تكون عضوية الدول محدودة لثلاث سنوات مع إمكانية استبدالها لاحقاً، وهو ما يعكس طموح الإدارة الأمريكية لإخضاع العمل الدولي لهيمنتها، وربما توسيع المجلس ليشمل دولاً أخرى مثل فنزويلا، في محاولة للانقلاب على النظام الدولي القائم.

تهديد كبير للحقوق الفلسطينية

وترى عودة أن هذه الخطوات تمثل تهديداً كبيراً للحقوق الفلسطينية، إذ لم يعد الفلسطيني طرفاً فاعلاً في تقرير مستقبل غزة، ويهدد المجلس بفرض أجندة أمريكية-إسرائيلية على الأراضي الفلسطينية.
وتوضح عودة أن السيناريوهات الدولية المفتوحة للمجلس تشمل النجاح في فرض منظومة جديدة خاضعة لإرادة ترمب، أو مواجهة الدول لمخططاته، أو توسع المجلس على حساب سيادة الشعوب والموارد الوطنية.
وتشير عودة إلى أن المجلس التنفيذي لمجلس السلام الذي يشرف على لجنة التكنوقراط يدار من قبل رجال أعمال يفكرون بمنطق الاستثمار وليس الدولة، مع وجود سيدة واحدة لها خبرة إغاثية، مما يطرح تساؤلات حول إمكانية استبدال منظمات الأمم المتحدة الإغاثية بشركات خاصة، وربما دفع الشعب الفلسطيني ثمن نكبته، مع احتمال تحفيز التهجير لتسهيل مصالح إسرائيل.
وتحذر عودة من أن المجلس قد يمتد مستقبلاً إلى الضفة الغربية، بالتوازي مع إهمال الحقوق الفلسطينية، كما أن الوجود الوطني في خطر، مؤكدة أن هذا التحول يمثل لحظة فارقة في التاريخ الإنساني، ويتطلب نهجاً مختلفاً للتفكير والعمل فلسطينياً وعربياً وإقليمياً ودولياً لمواجهة هذه التحديات.

وضع العصي في الدواليب

يتوقّع الكاتب والمحلل السياسي سري سمور أن يواجه ما يُعرف بـ"مجلس السلام" والمجلس التنفيذي واللجنة الإدارية "لجنة التكنوقراط" التي جرى تشكيلها سلسلة من العراقيل الإسرائيلية المتعمدة، في ظل رفض رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لهذا المسار، معتبراً أن المرحلة المقبلة ستتسم بالتعطيل ووضع "العصي في الدواليب"، وإن كانت عجلة العمل ستستمر بالدوران لفترة معينة، بوتيرة بطيئة أحياناً ومتسارعة أحياناً أخرى.
ويوضح سمور أن الجانب الفلسطيني، وفق المعطيات المتوفرة، أوفى بالتزاماته، بينما يبقى الطرف الإسرائيلي هو الجهة التي لا تلتزم بالتنفيذ، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة، وكما جرت العادة، تميل إلى الانحياز لإسرائيل ولن تمارس ضغوطاً جدية عليها.
ومع ذلك، يرجّح سمور أن واشنطن لن تسمح لتل أبيب بنسف المسار بالكامل، وإن كانت قد تغض الطرف عن محاولات التشويش وإفراغ الاتفاق من مضمونه، كما يحدث في تجارب سابقة.

استمرار المجلس لفترة زمنية محددة

وحول مستقبل "مجلس السلام"، يرى سمور أن استمراره لفترة زمنية محددة هو السيناريو الأرجح، محذراً في الوقت ذاته من المبالغة في الجزم بأن "المؤقت سيصبح دائماً".
ويستشهد سمور بتجربة الحاكم المدني الأمريكي في العراق بول بريمر، الذي تحدث عن بقاء طويل ثم غادر بعد فترة قصيرة، مؤكداً أن الواقع السياسي مليء بالمفاجآت، وأن التواضع في التحليل بات ضرورة في ظل حالة التقلبات الميدانية والسياسية والجيوسياسية.

أمل حذر باستئناف الإعمار

وفي ما يتعلق بالآفاق الإيجابية، يعبّر سمور عن أمل حذر بإمكانية استئناف عملية الإعمار، وإدخال المساعدات الإنسانية، وعودة العملية التعليمية في مدارس وجامعات قطاع غزة، وفتح معبر رفح لتسهيل سفر الجرحى والمرضى للعلاج، إلى جانب تحسين الخدمات الصحية، وإزالة النفايات المتراكمة بعشرات آلاف الأطنان، وبدء رفع الركام من الشوارع. ويشير سمور إلى أن تحقق هذه الآمال قد يكون جزئياً أو كلياً، تبعاً للتطورات السياسية والأمنية.

خطر تهميش الفصائل الفلسطينية

في المقابل، يحذّر سمور من مخاطر جدية، أبرزها فرض قيادات أجنبية غير فلسطينية أو عربية، على الشعب الفلسطيني، وبعضها يحمل إرثاً استعمارياً، معتبراً ذلك أمراً مقلقاً، خاصة في ظل مشاركة شخصيات مثيرة للجدل داخل المجلس.
ويلفت سمور إلى خطر تهميش الفصائل الفلسطينية أو تحويلها إلى مجرد "شاهد زور"، وتحول المجلس إلى كيان يتصرف بعقلية "المندوب السامي".
ويؤكد سمور أن الرهان الأساسي يبقى على صمود الشعب الفلسطيني وقدرته على تجاوز المحن، وعدم ضياع تضحياته، في مواجهة مختلف أشكال الضغوط والوصاية المفروضة.

תגים

שתף את דעתך

مجلس السلام… غزة بين إدارة "اليوم التالي" ومخاطر الوصاية السياسية

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.