א 11 ינו 2026 11:49 am - שעון ירושלים

العودة إلى الماضي: الحنين الخطِر إلى السادس من أكتوبر

ميرون ربابوت

يبدو أن العام الانتخابي الحالي يتمحور حول محاولة مشتركة من بنيامين نتنياهو والمعارضة اليهودية لإعادة إسرائيل إلى ما كانت عليه قبل الانهيار: تهميش القضية الفلسطينية والعودة إلى سياسة "إدارة الصراع". إنها لعبة عقيمة في ساحة يكون نتنياهو فيها، في نهاية المطاف، الرابح الدائم.
سيكون عام 2026 عامًا انتخابيًا بامتياز: انتخابات في إسرائيل قد تعيد رسم الخريطة السياسية، وانتخابات للكونغرس في الولايات المتحدة قد تؤثر في موقع الرئيس دونالد ترامب وحدود صلاحياته. لذلك يصعب التنبؤ بما سيحمله العام المقبل. ومع ذلك، يمكن الافتراض أن القاسم المشترك بين مختلف مكونات النظام الإسرائيلي — الائتلاف والمعارضة، الجيش والمجتمع المدني — هو السعي إلى إعادة إسرائيل إلى لحظة السادس من أكتوبر، أي إلى ما قبل اندلاع الحرب.
غير أن محاولة العودة إلى السادس من أكتوبر لا تعني استعادة "الوضع الطبيعي" أو الهدوء. فمن المرجح أن تتصاعد التوترات الداخلية في إسرائيل خلال العام المقبل. صحيح أن سنوات الانتخابات غالبًا ما تشهد احتدامًا سياسيًا، لكن هذه المرة تُخاض المعركة في سياق مختلف: حكومة تعمل بلا انقطاع على نزع الشرعية عن القضاء والإعلام وكل صوت معارض، في مقابل معارضة ترى في نتنياهو وحلفائه تجسيدًا لـ"الشر المطلق"، وتعتبر استمرار حكمهم تهديدًا وجوديًا لها وللدولة. وفي مثل هذا المناخ، ستُدار الانتخابات كحرب مصيرية.
المقصود بـ"العودة إلى السادس من أكتوبر" هو الرغبة الجماعية الإسرائيلية في إخراج القضية الفلسطينية من دائرة النقاش العام. وليس من قبيل الصدفة أن تضع حماس، في وثيقة نشرتها مؤخرًا، الادعاء بأن هجوم السابع من أكتوبر أعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة العالمية والإقليمية والإسرائيلية في صلب "إنجازاتها". تتجاهل الحركة إخفاقاتها والكوارث التي جلبها الهجوم على الفلسطينيين في غزة والضفة معًا، لكن لا يمكن إنكار حقيقة أن القضية الفلسطينية انتقلت، كما كتب طارق بقعوني، من كونها "مشكلة إنسانية تُدار بالمساعدات" أو "تهديدًا أمنيًا يُحتوى ضمن الحرب على الإرهاب"، إلى قضية مركزية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
قبل أيام قليلة من السابع من أكتوبر، عرض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خريطة تمتد من نهر الأردن إلى البحر المتوسط، كُتب عليها اسم إسرائيل من دون أي ذكر لفلسطين أو الفلسطينيين. ولم يكن نفتالي بينيت وحكومة "التغيير" مختلفين جوهريًا في هذا السياق. فقد روّج الجميع لفكرة مفادها أن العلاقة مع الفلسطينيين الخاضعين للحكم الإسرائيلي مسألة ثانوية أو غير قابلة للحل، وأن قوة إسرائيل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لا تعتمد عليها. حتى المؤسسة العسكرية تبنّت أطروحة تقول إنه لا يوجد حل — لا عسكري ولا سياسي — لهذه العلاقة، وأن البديل هو التركيز على "الردع" وما يُعرف بـ"المعركة بين الحروب".
جاءت أحداث السابع من أكتوبر لتحطّم هذه الافتراضات. انهار الجيش أمام هجوم نفذه فلسطينيون "بالشبشب وبنادق الكلاشينكوف"، وفقدت إسرائيل السيطرة على أجزاء من أراضيها للمرة الأولى منذ عام 1948، وقُتل أكثر من 1100 مدني وجندي في أكثر الأيام دموية في تاريخها. جُنّد مئات الآلاف من الإسرائيليين للقتال في غزة ولبنان، وقُتل المئات وجُرح الآلاف، وسُخّرت الموارد الاقتصادية بالكامل للحرب، فيما حوّلت جرائم الحرب في غزة إسرائيل إلى دولة منبوذة عالميًا. وعلى مدى عامين تقريبًا، عاشت إسرائيل «الصراع» في كل تفاصيل حياتها: من المظاهرات المطالِبة بإنهاء الحرب مقابل الإفراج عن المخطوفين، إلى الجدل حول تجنيد الحريديم، مرورًا بالعجز في الميزانية وتدهور العلاقات الخارجية.
الرغبة في العودة إلى الزمن
أتاح وقف إطلاق النار لمختلف الفاعلين في النظام الإسرائيلي وهمَ السيطرة على الوضع. وعلى الرغم من اختلاف أجنداتهم وأساليبهم، فإن هدف إقصاء الفلسطينيين من المعادلة يكاد يكون جامعًا بينهم جميعًا.
في مقدمة هؤلاء يقف نتنياهو نفسه. ففكرة إمكانية تجاوز الفلسطينيين ارتبطت باسمه إلى حد بعيد. ففي السنوات التي سبقت أكتوبر 2023، بدا أن هذه الفرضية تعمل: تحسّن الوضع الاقتصادي والسياسي لإسرائيل رغم استمرار الاحتلال والاستيطان وإنكار حق الفلسطينيين في تقرير المصير. تراجع «معسكر السلام» الذي أسهم في إسقاط نتنياهو عام 1999، وتبنّى الشارع اليهودي أطروحة "لا يوجد شريك للسلام".
في مقال نشره في "هآرتس" في أكتوبر 2022، اعتبر نتنياهو أن "اتفاقيات أبراهام" تشكل دليلًا على أن "الطريق إلى السلام لا يمر عبر رام الله بل يتجاوزها". ومن هنا نشأت سياسة التعامل مع حماس كـ"رصيد"، وتمويلها على مدى سنوات: تجاوز رام الله، بوصفها ممثلة للمشروع الوطني الفلسطيني، والحفاظ على الانقسام. وحتى المؤسسة الأمنية، وإن لم تتبنَّ أطروحة نتنياهو نظريًا، نفذتها عمليًا عبر إدارة الحصار والاحتلال والاعتماد على الردع.
تباهى نتنياهو في المقال ذاته بإنشاء "مثلث حديدي للسلام" قوامه القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية. غير أن أضلاع هذا المثلث الثلاثة تصدّعت بشدة في السابع من أكتوبر، واستمر هذا الضعف في العامين التاليين. وحتى من دون تبنّي توصيف شير حيفر لإسرائيل كـ"اقتصاد زومبي"، فقد أقرّ نتنياهو نفسه في "خطاب سبارتا" بأن الاقتصاد في ضائقة. أما العزلة السياسية، فقد أصبحت حقيقة شبه متفق عليها، وباتت إسرائيل معتمدة إلى حد كبير على تقلبات مزاج ترمب، الذي يمدح نتنياهو يومًا بإفراط، ويهينه في اليوم التالي في الكنيست وهو يشرح كيف أجبره على قبول وقف إطلاق النار.
قد يدّعي نتنياهو أن الضلع العسكري من المثلث لا يزال قويًا، وربما أقوى مما كان عليه في السادس من أكتوبر، إذ تسيطر إسرائيل اليوم على أكثر من 50% من قطاع غزة، وحماس ضعفت كثيرًا، وحزب الله جريح، وإسرائيل تقصف بحرية في لبنان، والجيش الإسرائيلي سيطر على مناطق في سوريا من دون رد يُذكر، وتلقت إيران ضربات قاسية. لكن هذا موضع خلاف. فجميع هذه الساحات ما زالت مفتوحة، كما يقول معارضو نتنياهو بحق، مثل موشيه يعلون، وحماس — حتى وإن ضعفت — ما زالت تسيطر على نصف قطاع غزة، وتحولت إلى لاعب دولي يتحدث معه العالم كله. و"النصر المطلق" عليها لم يتحقق. ووفق استطلاعات الرأي، فإن عدد الإسرائيليين الذين يعتقدون أن حرب غزة انتهت بالتعادل يفوق عدد من يعتقدون أن إسرائيل أو حماس انتصرت.
يبدو أن هذا "التعادل" يخدم نتنياهو، لأنه يعني عمليًا العودة إلى "إدارة الصراع". ومن يمعن النظر في قضية "قطر غيت" يدرك أن جوهرها ليس أن قطر سعت إلى التأثير على مكتب نتنياهو، بل أن نتنياهو نفسه سعى إلى قطر لتمويل "حماس". وقد شكّل ذلك جزءًا من استراتيجية واعية هدفت إلى منع أي مسار سياسي. وحقيقة أنه أوعز بطلب زيادة المساعدات القطرية لحماس قبيل السابع من أكتوبر دليل إضافي على أن الاتجاه كان القدس–الدوحة، لا الدوحة–القدس.
موّل نتنياهو حركة "حماس" لا استجابةً لطلب قطري، بل لأنه أراد ذلك. ولم يكن هذا الخيار نابعًا من دعمٍ للإخوان المسلمين، ولا من خشيةٍ حقيقية من "أزمة إنسانية" في غزة وهو، في الواقع، من يقود أزمة إنسانية هناك منذ عامين، بل لأن حجر الأساس في سياسته كان التفتيت السياسي والجغرافي للحركة الوطنية الفلسطينية بهدف منع قيام دولة فلسطينية. وفي هذا السياق، وفّر حكم "حماس" الأداة الأنسب لتحقيق هذا التفتيت.
تشمل "النقاط العشرين" التي طرحها ترمب، ولو على المستوى النظري، عودة السلطة الفلسطينية، ورفع الحصار، والحديث عن دولة فلسطينية، وهو ما يفسّر نظر نتنياهو إليها بوصفها تهديدًا. لذلك لا يتجه إلى المرحلة الثانية، ليس رغم أن هذه المرحلة يُفترض أن تنزع سلاح "حماس"، بل تحديدًا لأنها قد تنزع سلاحها. فما دامت "حماس" تسيطر على غزة، لا يوجد خطر من انطلاق مسار سياسي. وقبل السابع من أكتوبر، لم يكن نتنياهو ولا المؤسسة الأمنية يعتبران "حماس" تهديدًا عسكريًا حقيقيًا — "لماذا يطلقون النار؟" سأل نتنياهو سكرتيره العسكري عندما أُبلغ بالهجوم. واليوم، بعد تدمير القطاع ومقتل معظم قادة حماس، يعتقد نتنياهو — أو يريد أن يعتقد — أن الحركة باتت تشكل تهديدًا أقل مما كانت عليه.
بهذا المعنى، تتقاطع مصالح نتنياهو والجيش إلى حد بعيد. فمن جهة، يسعى الطرفان إلى طمس فشل السابع من أكتوبر والانهيار الذي أصاب مفهوم الردع، ومن جهة أخرى يعملان — عبر الهجمات المتواصلة في لبنان، وبدرجة أقل في غزة، والتهديد، أو بالأحرى الوعد، بحرب جديدة مع إيران — على تشتيت انتباه الرأي العام عن حقيقة أننا عدنا فعليًا إلى واقع السادس من أكتوبر. وقد توقّف نتنياهو والجيش، الذي بات حليفًا سياسيًا له أيضًا بفعل التحولات التي طرأت عليه، عن طمأنة الجمهور الإسرائيلي بآفاق السلام. فهم يعدون بـ"الردع"، بينما الواقع هو حرب مستمرة، أكثر عنفًا مما كانت عليه قبل السادس من أكتوبر. يسعى الجيش إلى تعزيز ميزانياته ومكانته، ويسعى نتنياهو إلى الظهور بمظهر "رجل الأمن"، ويستفيد الطرفان من استمرار هذه الحرب.
حتى شركاء نتنياهو السياسيون في اليمين القومي–الديني–الفاشي يتبنون فكرة العودة إلى السادس من أكتوبر. صحيح أن بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير كانا يفضّلان التوجه نحو "حل نهائي" في غزة عبر التطهير العرقي وإعادة الاستيطان، لكن بعدما تبيّن أن هذا الخيار غير قابل للتنفيذ، أصبحا مستعدين لتبنّي سردية نتنياهو ودعم إبقاء الوضع في غزة على حاله. فطالما أن إسرائيل لا تنتقل إلى المرحلة الثانية بما تحمله من "مخاطر" سياسية — إذ لم يكن تفكيك "حماس" يومًا هدفًا حقيقيًا لهما، بل تفكيك غزة نفسها — يستطيع سموتريتش استغلال سيطرته على الإدارة المدنية لتسريع الضم الفعلي للضفة الغربية، بينما يستطيع بن غفير استغلال سيطرته على الشرطة لتصعيد الهجوم على الفلسطينيين داخل إسرائيل (وترابين مثالًا)، وكذلك على كل أشكال المعارضة السياسية للحكومة.
في هذا السياق، يمكن الافتراض أنه حتى لو لم ينطق نتنياهو صراحة بعبارة "العودة إلى السادس من أكتوبر"، فإن استراتيجيته الانتخابية ستقوم عمليًا على استعادة سياسة "إدارة الصراع". وسيقدّم نفسه باعتباره من حسّن ميزان الردع في مواجهة الشرق الأوسط بأكمله، وفي الوقت ذاته من سدّ كل طريق نحو قيام دولة فلسطينية. كما سيحرص على التأكيد على أنه، رغم التحولات في الرأي العام العالمي، لا يزال يحظى بدعم ترامب — وهو العامل الحاسم في نظره — وأن منح "جائزة إسرائيل للسلام" لترمب في يوم الاستقلال القادم ليس سوى حلقة في هذه السردية.
وبافتراض عدم اندلاع أزمة اقتصادية حادة حتى موعد الانتخابات، قد يتمكن نتنياهو من العودة إلى الحديث عن «المثلث الحديدي» للقوة العسكرية والسياسية والاقتصادية، مع إضافة ضلع داخلي رابع: ضلع «الحوكمة»، أو، بعبارة أدق، ضلع سحق الجهاز القضائي، والنيابة العامة، والمعارضة السياسية، والإعلام، والحيّز الثقافي.
المفارقة أن معارضة نتنياهو، سياسيًا وإعلاميًا، تتبنى هي الأخرى، في معظمها، الافتراض نفسه القائل بأن اللغة الوحيدة التي تفهمها المنطقة، والفلسطينيون على وجه الخصوص، هي لغة القوة. وذلك رغم أن هذه السياسة تحديدًا هي التي فشلت في السابع من أكتوبر، ورغم أن دعم نتنياهو لحماس يشكل إحدى نقاط ضعفه الكبرى أمام الرأي العام الإسرائيلي، سواء في قضية "قطر غيت" أو في مسألة لجنة التحقيق. ومع ذلك، تترك المعارضة لنتنياهو ساحة "إدارة الصراع" خالية، وتفضّل التركيز على قضايا أخرى.
يتجلى ذلك بوضوح في طريقة التعامل مع «قطر غيت». فحقيقة أن أشخاصًا من الدائرة الأقرب إلى نتنياهو في مكتبه تلقّوا رواتب من قطر وروّجوا لمصالحها خلال الحرب أمر صادم، وقد أحدث تصدعات حتى داخل صفوف مؤيديه (انظر الملخص الممتاز لأوري توفال). ومع أن لقب «مموّل حماس» بات ملتصقًا بنتنياهو، فإن المعارضة والإعلام الليبرالي لا يوليان ما يكفي من الاهتمام للحقيقة الأهم: أن نتنياهو دعم تمويل حماس، في المقام الأول، كأداة استراتيجية لمنع قيام دولة فلسطينية. ولو جرى التأكيد على هذه النقطة بوضوح، لكان بالإمكان طرح حجة مفادها أن منع تكرار السابع من أكتوبر يتطلب السير في الاتجاه المعاكس تمامًا لسياسات نتنياهو، أي الدفع نحو إقامة دولة فلسطينية وإنهاء الاحتلال.
إجراء "تصحيح" — من دون فلسطينيين
لكن هذا الخطاب يكاد يكون غائبًا تمامًا، بل إن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس. فنجاح نفتالي بينيت يقوم تحديدًا على الدعوة إلى العودة إلى ما قبل أحداث السادس من أكتوبر، وعلى تبنّي سياسة "إدارة الصراع" بدلًا من معالجته جذريًا. إذ يقترح بينيت أن يعود المجتمع الإسرائيلي إلى "وضعه الطبيعي"، وأن تُحمى مؤسسات الدولة، وأن تُرمَّم العلاقات بين مختلف فئات المجتمع الإسرائيلي. غير أن هذه الأهداف — وهذه هي رسالة بينيت الضمنية — لا يمكن، في تصوره، تحقيقها إلا عبر تهميش الفلسطينيين. وينبع نجاح مبادرة "الربع الرابع"، التي لن تتمكن، وفقًا لمؤسسها يوآف هيلر، من التحدث إلى الفلسطينيين إلا «بعد تنصيب زعيم فلسطيني يعلن إنهاء الحرب التي استمرت 120 عامًا مع إسرائيل»، من المنطلق نفسه.
وقد عبّر قادة الأحزاب الصهيونية في كتلة المعارضة، في تصريحات متكررة، عن قبولهم العملي بفكرة "إدارة الصراع"، إذ أعلن معظمهم — باستثناء يائير غولان، وإلى حدٍّ ما غادي آيزنكوت — أنهم سيرفضون تشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب العربية، سواء بشكل مباشر أو عبر الامتناع عن التصويت.
يتجلى هذا القبول بوضوح في مواقف معظم رؤساء الأحزاب الصهيونية في معسكر المعارضة، الذين يؤكدون رفضهم لأي ائتلاف يستند إلى دعم الأحزاب العربية، حتى لو كان ذلك دعمًا غير مباشر. وإلى جانب العنصرية الصريحة، التي لم يعد اليهود الإسرائيليون يخجلون من التعبير عنها خلال السنتين الأخيرتين، فإن «المشكلة» مع هذه الأحزاب — ولا سيما الجبهة، والتجمع، والعربية للتغيير، وحتى إلى حدٍّ ما حزب منصور عباس — تكمن في أنها قد تطالب بخطوات فعلية نحو تسوية سياسية وإقامة دولة فلسطينية. وبذلك، تبدو أحزاب المعارضة، التي تسوّق الانتخابات المقبلة على أنها معركة وجودية ضد "نظام الشر" الذي يمثله نتنياهو، مستعدة للإبقاء عليه في منصبه، شريطة ألّا يُفتح أي مسار سياسي حقيقي.
صحيح أنه، وفق استطلاع أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في سبتمبر 2025، فإن نحو ثلاثة أرباع الجمهور اليهودي لا يؤمنون بحق الفلسطينيين في إقامة دولة، بارتفاع قدره 11% مقارنة بفترة ما قبل الحرب. لكن في المقابل، يُظهر استطلاع آخر أن 51% من ناخبي المعارضة يؤيدون الاعتماد على الأحزاب العربية لتشكيل حكومة، وذلك رغم معارضة قادة أحزاب المعارضة أنفسهم لهذا الخيار. وبعبارة أخرى، يبدو الرأي العام أكثر مرونة وتعقيدًا مما قد يوحي به الانطباع الأول.
يبدو أن الرأي العام اليهودي–الإسرائيلي يتوق إلى العودة إلى ما قبل أحداث السابع من أكتوبر، ولعل في ذلك محاولةً لتناسي فظائع ذلك اليوم وما تلاه. غير أنه حتى لو كان النظام الإسرائيلي برمّته — ائتلافًا ومعارضة — يرغب في العودة إلى واقع السادس من أكتوبر، فليس من المؤكد أن ذلك ممكن عمليًا. فسيكون من الصعب للغاية تجميد الوضع في غزة على حاله، لأسباب عدة: أولها استحالة إبقاء مليوني إنسان في الظروف المروعة الراهنة، وثانيها أن حركة حماس لا تزال قائمة هناك، وثالثها أن مكانة ترمب وهيبته السياسية باتتا مرتبطتين بإحراز تقدم في غزة، فضلًا عن مكانة الدول التي توسطت في الاتفاق وتؤثر على الرئيس الأمريكي، مثل تركيا وقطر.
في المقابل، شهد الرأي العام العالمي تحولًا ملحوظًا لصالح الفلسطينيين، وحتى لو تراجعت حدة التوتر نتيجة انخفاض وتيرة الدمار في غزة، فلا يبدو أن هذا التحول قابل للانعكاس. كما أن مسار التطبيع المستمر مع العالم العربي يبدو مسدودًا، في حين يغيب أي "وضع راهن" مستقر داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه. قد لا تشهد غزة معارك عسكرية في الوقت الراهن، لكن شبح الحرب لا يزال يخيّم على الإسرائيليين. فالاحتجاجات المرتبطة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية أو بتجنيد الحريديم ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحرب، كما أن رفض الرأي العام للحكومة اليمينية، وفقًا لمعظم استطلاعات الرأي، مرتبط هو الآخر بأحداث السابع من أكتوبر. ولا شك أن شعور العجز الذي ينتاب قطاعات واسعة من الإسرائيليين يساهم في مغادرة أكثر من مئتي ألف إسرائيلي البلاد منذ تشكيل حكومة نتنياهو الحالية.
غير أن عدم العودة إلى واقع السادس من أكتوبر لا يعني بالضرورة أننا نتجه نحو وضع أفضل. فمحاولة إعادة الأمور إلى ما كانت عليه بعد الانفجار الذي وقع في السابع من أكتوبر قد تنطوي على مخاطر جسيمة. وقد يشير العنف المتصاعد الذي نشهده اليوم في الضفة الغربية، وضد الفلسطينيين داخل إسرائيل، بل وضد قوى المعارضة اليهودية أيضًا، إلى أحد الاتجاهات المحتملة، وإن كان المسار المعاكس لا يزال قائمًا. ويعتمد ذلك، من بين أمور أخرى، على وعي المعارضة الإسرائيلية بأن العودة إلى "إدارة الصراع هي الساحة التي يتفوّق فيها نتنياهو، وأن إخراجه من المشهد يتطلب التوقف عن اللعب وفق قواعده.
 




תגים

שתף את דעתך

العودة إلى الماضي: الحنين الخطِر إلى السادس من أكتوبر

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.