ה 08 ינו 2026 1:48 pm - שעון ירושלים

واشنطن تُعلن الوصاية على كاراكاس: النفط مقابل السيادة

واشنطن – سعيد عريقات

بحسب المراقبين، لم يعد الخطاب الأميركي تجاه فنزويلا يكتفي بالإيحاء أو التلميح، بل بات يعبّر صراحة عن تصورٍ للهيمنة السياسية والاقتصادية يتجاوز كل الأعراف الدبلوماسية. فقد أعلن البيت الأبيض، بلهجة غير مسبوقة، أن الولايات المتحدة ستُملي قرارات الحكومة الفنزويلية في المرحلة المقبلة، في سياق تحرّك متسارع تقوده إدارة الرئيس دونالد ترمب لإحكام السيطرة على قطاع النفط الفنزويلي، عقب اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الأراضي الأميركية.
التصريح الأكثر دلالة صدر عن المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، التي قالت للصحفيين يوم الأربعاء إن واشنطن "تنسّق عن كثب مع السلطات المؤقتة"، في إشارة إلى الحكومة الفنزويلية التي تقودها حالياً ديلسي رودريغيز بصفتها رئيسة مؤقتة. غير أن ليفيت لم تكتفِ بذلك، بل أضافت بوضوح فاقع أن "قرارات هذه الحكومة ستظل تُملَى من قبل الولايات المتحدة الأميركية"، في توصيفٍ يعكس تصوراً لوصاية مباشرة على دولة ذات سيادة.
في كاراكاس، جاء الرد مغايراً تماماً. فقد شددت ديلسي رودريغيز على أن "حكومة فنزويلا هي السلطة الشرعية الوحيدة في البلاد، ولا يوجد أي عميل أجنبي يحكم فنزويلا"، مطالبةً بالإفراج الفوري عن مادورو ليعود إلى منصبه. هذا التباين الحاد في الخطابين يعكس صراعاً مفتوحاً بين منطق السيادة الوطنية ومنطق الإملاء الخارجي.
التصعيد لم يقتصر على البيت الأبيض. ففي مقابلة مع قناة "فوكس نيوز"، قال نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إن واشنطن تمتلك وسيلة فعالة للسيطرة على فنزويلا عبر التحكم بأسواق تصدير نفطها. وأوضح أن الولايات المتحدة "تحدد متى وأين يُسمح للنظام ببيع النفط"، مضيفاً أن هذا الإذن مشروط بخدمة "المصلحة الوطنية الأميركية". هكذا، يتحول النفط من مورد سيادي إلى أداة انضباط سياسي.
الرئيس ترمب نفسه ذهب أبعد من ذلك، ملوّحاً بقصف فنزويلا مجدداً وربما إرسال قوات أميركية إذا لم تمتثل الحكومة للأوامر الصادرة من واشنطن. بل بدا أنه يهدد بشكل غير مباشر حياة الرئيسة المؤقتة، حين قال إن مصيرها سيكون "أسوأ من مصير مادورو" في حال عدم الانصياع، ما يعكس انتقال الخطاب الأميركي من الضغط السياسي إلى التهديد الشخصي.
مساء الثلاثاء، أعلن الرئيس ترمب أن فنزويلا ستسلّم ما بين 30 و50 مليون برميل نفط إلى الولايات المتحدة. ولفت إلى أن النفط "سيُباع بسعر السوق"، لكن عائداته “ستكون تحت إشرافي المباشر بصفتي رئيس الولايات المتحدة”، بزعم ضمان استخدامها “لصالح الشعبين الفنزويلي والأميركي”. هذا التصريح وحده يختصر جوهر المقاربة الأميركية: السيطرة على الموارد تحت غطاء الوصاية الأخلاقية.
من جانبها، أعلنت شركة النفط الفنزويلية الحكومية (PDVSA) أنها بصدد إتمام صفقة نفط مع الولايات المتحدة، مشيرة إلى أنها مشابهة للترتيبات القائمة مع شركة "شيفرون" الأميركية. وأكدت الشركة أن العملية "تجارية بحتة، وتستند إلى شروط قانونية وشفافة ومفيدة للطرفين"، في محاولة لخفض منسوب التوتر السياسي المحيط بالصفقة.
غير أن تصريحات وزير الطاقة الأميركي كريس رايت بددت أي لبس، إذ قال إن واشنطن ستتحكم بمبيعات النفط الفنزويلي "إلى أجل غير مسمى"، وأن العائدات ستودع في حسابات مصرفية خاضعة للسيطرة الأميركية، ما يعزز الانطباع بأن المسألة تتجاوز التجارة إلى إدارة مباشرة لاقتصاد بلد آخر.
وفي منشور لاحق، أعلن ترمب أن فنزويلا ستستخدم عائدات النفط حصراً لشراء سلع أميركية، من المنتجات الزراعية إلى الأدوية والمعدات الطبية ومستلزمات الطاقة. واعتبر ذلك "خياراً حكيماً" يجعل الولايات المتحدة "الشريك التجاري الرئيسي" لفنزويلا، في إعادة إنتاج واضحة لنموذج التبعية الاقتصادية.
ما تكشفه التصريحات الأميركية الأخيرة ليس مجرد سياسة ضغط، بل تصور متكامل لإدارة دولة أجنبية عن بُعد. فحين تعلن واشنطن أنها تملي القرارات، وتتحكم بالموارد، وتدير العائدات، فإنها تنقل العلاقة من مستوى العقوبات أو النفوذ إلى مستوى الوصاية الصريحة. هذا النهج يعيد إلى الأذهان نماذج استعمارية قديمة، تُلبَس اليوم ثوب "المصلحة الوطنية" و"حماية الشعوب"، لكنها في جوهرها تُقوّض مبدأ السيادة الذي قام عليه النظام الدولي الحديث.
وبحسب الخبراء، فإن الأخطر في المشهد ليس فقط السيطرة على النفط، بل تحويل الاقتصاد إلى أداة إعادة تشكيل سياسي. إلزام فنزويلا بشراء منتجات أميركية حصراً يعكس محاولة لربط التعافي الاقتصادي بالامتثال السياسي، وهو منطق يفتح الباب أمام صراعات طويلة الأمد. فالتاريخ يُظهر أن السياسات القائمة على الإكراه الاقتصادي نادراً ما تنتج استقراراً، وغالباً ما تُفضي إلى مقاومة داخلية وتآكل شرعية أي ترتيبات تُفرض من الخارج.

תגים

שתף את דעתך

واشنطن تُعلن الوصاية على كاراكاس: النفط مقابل السيادة

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.