في واحدة من أكثر الإشارات دلالة على التحوّلات العميقة التي تشهدها أمريكا اللاتينية في مقاربتها للسياسة الخارجية، بادر رئيس هندوراس المنتخب حديثًا، ذو الأصول الفلسطينية، نصري عصفورة، والمنحدر من مدينة بيت لحم، إلى زيارة السفير الإسرائيلي في مقر إقامته بالعاصمة تيغوسيغالبا، في خطوة سبقت أي تواصل رسمي رفيع المستوى مع الجانب الفلسطيني. ولم تمضِ سوى أسابيع حتى تلقّى دعوة رسمية لزيارة إسرائيل من وزير خارجيتها جدعون ساعر، الذي اعتبر انتخاب عصفورة انتصارًا للدبلوماسية الإسرائيلية، وإخراجها من حالة العزلة.
لا يمكن قراءة هذه الواقعة بوصفها حدثًا معزولًا أو مفارقة شخصية، بل باعتبارها تعبيرًا مكثفًا عن تحوّل بنيوي أوسع في خارطة الاصطفافات السياسية في أمريكا اللاتينية، وتحولًا تدريجيًا من إرث تاريخي داعم لحركات التحرر، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى مقاربة خارجية تحكمها البراغماتية الجيوسياسية، وحسابات الأمن والاقتصاد، والانخراط المتزايد في شبكة النفوذ الأميركي–الإسرائيلي.
أفول «العصر الزهري» وصعود المشهد المجزّأ
شهدت أمريكا اللاتينية، منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، ما عُرف اصطلاحًا بـ" العصر الزهري " وهو مرحلة اتسمت بصعود حكومات يسارية وتقدمية، أعادت الاعتبار لدور الدولة، ورفعت شعارات الاستقلال عن الهيمنة الأميركية، ودعمت قضايا الجنوب العالمي، بما في ذلك فلسطين، غير أن هذا المشهد بدأ بالتفكك منذ منتصف العقد الثاني من القرن، مع صعود موجات متتالية من اليمين الشعبوي المحافظ، الذي نجح في الوصول إلى السلطة في دول وازنة داخل القارة.
اليوم، لم تعد أمريكا اللاتينية تعيش حالة مدّ أيديولوجي متماسك، بل واقعًا سياسيًا مجزّأً، تتعايش فيه حكومات يسارية محدودة النفوذ مع قوى يمينية متطرفة، تُعيد تعريف السياسة الخارجية بوصفها أداة لتحقيق المصالح الآنية، لا التزامات أخلاقية أو قانونية طويلة الأمد. وفي هذا السياق، تراجع الالتزام التاريخي بالقانون الدولي وحقوق الشعوب، لصالح منطق الاصطفاف، والتبادل السياسي، والمقايضة الجيوسياسية.
دبلوماسية القدس بوصفها قناة إلى واشنطن
يُعدّ اعتبار التقارب مع إسرائيل مدخلًا لتعزيز العلاقة مع الولايات المتحدة أحد أبرز محددات التحوّل في مواقف عدد من الحكومات المحافظة في أمريكا اللاتينية، ففي سياقات سياسية داخلية هشّة، أو أزمات اقتصادية وأمنية حادة، لجأت دول مثل غواتيمالا، وهندوراس، وباراغواي، والأرجنتين، وكوستاريكا إلى توظيف العلاقة مع تل أبيب كإشارة ولاء جيوسياسي لواشنطن.
تجلّى ذلك بوضوح فيما بات يُعرف بـ " دبللوماسية القدس" سواء عبر نقل السفارات إلى القدس، أو افتتاح مكاتب تمثيلية ذات طابع اقتصادي وتكنولوجي، أو من خلال تحوّل ملموس في أنماط التصويت داخل الأمم المتحدة. ويُعد تصويت الجمعية العامة في 12 حزيران 2025 بشأن وقف إطلاق النار في غزة مثالًا صارخًا، حيث صوّتت الأرجنتين وباراغواي ضد القرار، في سابقة نادرة داخل قارة اعتادت تاريخيًا دعم القرارات المؤيدة لفلسطين، أو الامتناع عنها على الأقل.
النفوذ الديني وصعود الصهيونية المسيحية
لا يمكن فهم هذا التحوّل دون التوقف عند الدور المتنامي للكنائس الإنجيلية الخمسينية، التي تتبنّى لاهوتًا صهيونيًا يرى في دعم إسرائيل واجبًا دينيًا، ويربط قيامها واستمرارها بنبوءات توراتية. وقد تحولت هذه الكنائس في عدد من الدول إلى كتل تصويتية منظمة، قادرة على التأثير المباشر في الانتخابات، وصياغة الأجندة السياسية، والضغط على السلطتين التنفيذية والتشريعية.
تمثل غواتيمالا النموذج الأوضح لهذا التداخل بين الدين والسياسة الخارجية، حيث كان التحالف بين الكنائس الإنجيلية والسلطة التنفيذية مباشرًا ومعلنًا، وأفضى إلى قرار سيادي بنقل السفارة إلى القدس، كما تلعب هذه التيارات دورًا مؤثرًا، وإن بدرجات متفاوتة، في البرازيل، وهندوراس، والسلفادور. والمفارقة اللافتة أن هذا التيار، رغم تبنّيه إسرائيل بوصفها "مشروعا إلهيا"، يحمل في كثير من الأحيان مواقف اجتماعية معادية لليهود خارج الإطار اللاهوتي السياسي.
الأمن والتكنولوجيا والاقتصاد كمدخل للنفوذ
إلى جانب العوامل الأيديولوجية والدينية، نجحت إسرائيل في ترسيخ حضورها في أمريكا اللاتينية عبر خطاب براغماتي يقوم على تقديم نفسها شريكًا أمنيًا وتكنولوجيًا لا غنى عنه. وقد روّجت خبراتها في مجالات مكافحة الجريمة، - التي تشرع لها الأبواب بالمجتمع العربي - وتدريب الشرطة، وتقنيات المراقبة، وإدارة الحدود والموانئ، وأنظمة القيادة والسيطرة، والاستخبارات والتحليل الجنائي، فضلًا عن تسويق معدات عسكرية وأمنية " مجرّبة ميدانيًا" – في المجتمع الفلسطيني والمحيط العربي- .
في البعد التكنولوجي، عززت إسرائيل صورتها بوصفها «Startup Nation»، مقدّمة حلولًا في الأمن السيبراني، والمدن الذكية، والزراعة المتقدمة، وإدارة المياه، والتكيّف مع تغيّر المناخ، مما أسهم في نشوء شبكات مصالح اقتصادية وأمنية عميقة، شرعنت الانتقال التدريجي من معسكر القانون الدولي إلى معسكر المصالح الصرفة.
العامل الفلسطيني الذاتي
لا يكتمل هذا المشهد دون الإشارة إلى العامل الفلسطيني الداخلي، الذي أسهم، في تراجع زخم الدعم في أمريكا اللاتينية. فالانقسام الفلسطيني، وغياب رؤية سياسية موحّدة، وضعف السردية الفلسطينية الموجهة للعالم، وغياب نموذج ديمقراطي جامع تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية بعد إصلاحها، كلها عوامل أضعفت القدرة على التأثير الخارجي.
يضاف إلى ذلك تراجع التواصل المؤسسي بين منظمة التحرير والجاليات الفلسطينية في أمريكا اللاتينية، وانقطاع الصلة مع النخب الأكاديمية والثقافية والسياسية هناك، وغياب آليات ديمقراطية تتيح لهذه النخب المشاركة في المجلس الوطني الفلسطيني. وقد ولّد ذلك شعورًا بالاغتراب، وأضعف الصوت الفلسطيني في واحدة من أكثر القارات تاريخيًا دعمًا للقضية الفلسطينية.
عليا أن نعي جيدا، أن دولا مثل غواتيمالا، وهندوراس، وباراغواي، والأرجنتين، والسلفادور، وكوستاريكا، وتشيلي، وربما فنزويلا بعد مالات العدوان الأمريكي الأخير، وقد تكون البرازيل مستقبلا، بفعل هذه التحوّلات المركبة، قد تصبح أكثر قربًا من إسرائيل، وأكثر براغماتية في مقاربتها للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. كما علينا أن نع أن الرهان على الإرث التاريخي لـ«الفترة الحمراء» أو «العصر الزهري» لم يعد واقعيًا في ظل مشهد دولي وإقليمي متغير، وفي ظل سطوة لغة المصالح والقوةعلى القانون الدولي وحق الشعبو بتقرير مصيرها، إذ أن التاريخ كان في العديد من النماذج النضالية للشعوب مقبرة للمظلومين من غير القادرين على الانتصار لحقوقهم .
إن تجاهل هذه التحوّلات، أو التعامل معها بمنطق الحنين السياسي، لا يفضي إلا إلى مزيد من التراجع. وحدها مقاربة فلسطينية جديدة، واقعية، موحّدة، وديمقراطية، قادرة على إعادة بناء شبكة العلاقات مع أمريكا اللاتينية على أسس المصالح المتبادلة، والسردية الحقوقية المقنعة، قبل أن يتحول هذا التحوّل من أزمة قابلة للاحتواء إلى واقع دائم يصعب تغييره.
لأن الواقع قاتم ما لم نواجهه بخطط واعية، وقد يكون المستقبل أكثر قتامة إذا لم نبادر قبل فوات الأوان .
ה 08 ינו 2026 10:07 am - שעון ירושלים
من العصر الزهري إلى البراغماتية الجيوسياسية: تحوّلات أمريكا اللاتينية ومآلات الدعم لفلسطين
بقلم: د. رائد محمد الدبعي





שתף את דעתך
من العصر الزهري إلى البراغماتية الجيوسياسية: تحوّلات أمريكا اللاتينية ومآلات الدعم لفلسطين