مع مطلع عام 2026، منح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الضوء الأخضر، لأول تحول جيوسياسي بالغ الخطورة يشهده العالم منذ عقود، عبر القيام بعملية عسكرية أمريكية ضد فنزويلا، انتهت بإختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد.
هذا القرار، الذي يُعد إنتهاكاً للمادة 2/الفقرة 4 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تنص على منع العدوان والتدخل القسري واستعمال القوة ضد أي دولة، لا يمكن إختزاله في إطار عملية أمنية لمكافحة المخدرات، أو نزاع بين دولتين، بل يمثل هزة سياسية تضرب مواثيق نظام دولي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية.
قد يرى البعض في هذا السلوك إمتداد متوقع لتاريخ طويل و معتاد من التدخلات الأمريكية في العالم، إلا أن خطورته هذه المرة تكمن في علنيته و حدته، وتجاهله الكامل لأي غطاء قانوني دولي. بل تصرفت الإدارة الأمريكية وكأنها فوق القانون، وتعاملت بمنطق “الكاوبوي” الذي يسمح لها بما تُحرمه على الآخرين.
ما قامت به الولايات المتحدة يُضفي شرعية خطيرة على مبدأ تغيير الأنظمة بالقوة العسكرية. و مهما كانت الحكومات المخلوعة مثار جدل أو رفض، فإن التجربة التاريخية من أفغانستان وبنما إلى العراق وليبيا و سوريا، أثبتت أن هذا النهج لا يُنتج ديمقراطية ولا إستقرار سياسي، بل يفتح الباب أمام الفوضى، الحروب الأهلية، تفكك الدول، وصعود أشكال جديدة من الإستبداد و القمع، وهو نمط تكرر في أكثر من منطقة في العالم، حيث قادت التدخلات الخارجية إلى إنهيار دول بدل إصلاحها.
في هذا السياق، لا يبدو الهدف الحقيقي هو تحرير الشعوب أو حماية القيم الديمقراطية، بل فرض نظام سياسي وأيديولوجي يتماشى مع رؤية الإدارة الأمريكية ومصالحها الإستراتيجية والاقتصادية، حتى لو كان الثمن هو زعزعة أنظمة بأكملها، وترك شعوبها رهينة للفوضى.
على الجانب الاخر، امتنعت المواقف الأوروبية عن توصيف ما حدث كتجاوز قانوني صريح أو الإشارة حتى إلى خرق محتمل لميثاق الأمم المتحدة. بل بعض ردود الأفعال الدولية على ما حدث، لايمكن قراءتها إلا كموافقة ضمنية على العملية الأمريكية، وتؤسس لسابقة خطيرة تُفرغ النظام الدولي من مضمونه. على مدى عقود، قدمت واشنطن نفسها كحامية لهذا النظام الذي يُفترض به أنه قائم على مواثيق وتعهدات اممية، لكن ماحدث في فنزويلا ينسف هذا الإدعاء من جذوره. فالقانون الدولي، حين يُطبق فقط على الخصوم، ويتعطل أمام القوة، يتحول من مرجعية عادلة إلى أداة انتقائية لفرض سياسات تتماشى مع مصالح القوى العظمى.
كيف يمكن للولايات المتحدة أن تُدين التدخلات الروسية أو الصينية في دول أخرى، بينما تمارس الفعل ذاته بشكل مباشر؟ وكيف يمكن إقناع العالم بأن السيادة مبدأ مقدس، إذا كانت تُنتهك متى ما تعارضت مع مصالح القوى العظمى. بهذا السلوك، لا تضع واشنطن نفسها خارج إطار الشرعية الدولية فحسب، بل تجر النظام العالمي بأكمله نحو فقدان التوازن وفرض سياسة «القوة فوق القانون» ، مما يقوض كل محاولة للتعاون الدولي على قضايا مثل الأمن، الاقتصاد، تغير المناخ، والملفات النووية.
الخطر الحقيقي لا يكمن فيما حدث في فنزويلا وحدها، بل في النتائج التي سيخلقها هذا الحدث في وقت يشهد العالم تغييرات و احداث مهمة. فإذا أصبح تغيير الأنظمة سلوكاً مشروعاً بحكم الأمر الواقع، و إذا سُمح للولايات المتحدة بإسقاط نظام سياسي بالقوة في فنزويلا، فما الذي سيمنع الصين من القيام بخطوة مماثلة في تايوان تحت ذريعة الأمن القومي؟ و بأي منطق ستُطالب روسيا بعدم إسقاط حكومات أوروبية تراها معادية لها؟ وهل يمكن منع دول أخرى كفرنسا من فرض سياساتها في أفريقيا؟
النظام الدولي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عام1945، لم يكن يوماً مثالياً او عادلاً، لكنه كان قائماً على معادلة أساسية، القوة مسموح بها، و استخدامها مقيد بأطر قانونية تمنع الانزلاق إلى فوضى شاملة. لكن ما جرى ليس مجرد خرق لقانون، بل محاولة لإعادة تعريف النظام الأممي، من نظام تحكمه قوانين و مواثيق، إلى نظام تحكمه موازين القوة والتدخلات القسرية.
و بما فعله الرئيس الامريكي ترامب، يكون هذا الإطار قد بدأ يتآكل. بالتالي مع كل سابقة جديدة، سيضعف الرادع القانوني، ويصبح الردع العسكري هو اللغة السائدة. والنتيجة ليست عالم أكثر أمناً أو عدالة، بل عالماً يحتكم لمنطق القوة و أكثر قابلية للاشتعال عند أول أزمة إقليمية.
ختاماً، عملية فنزويلا تمثل حدث مفصلي في التاريخ المعاصر، لقد فتحت صندوق باندورا الذي لن يستطيع أحد إغلاقه. مرحلة جديدة من شرعنة القوة والإستعمار الجديد، حيث يصبح القانون مجرد خطاب أخلاقي بلا أثر فعال. فتجاوز السيادة الوطنية لأي دولة في العالم، يمنح الضوء الأخضر لكل قوة إقليمية لتعيد رسم حدودها ومصالحها بالقوة العسكرية، متذرعة بالنموذج الأمريكي. و في عالم يجد نفسه اليوم، على حافة انزلاق تاريخي، لن تكون الدول الضعيفة أكثر أماناً، بل سُتفرض الديمقراطية على شعوبها بمقاييس أمريكية.
فمن سيكون التالي في قائمة الشرعية الأمريكية الجديدة؟
א 04 ינו 2026 12:11 pm - שעון ירושלים
فنزويلا .. من التالي ؟
آمال العرفي الرطروط





שתף את דעתך
فنزويلا .. من التالي ؟