ما جرى في فنزويلا لا يمكن قراءته كحدث داخلي أو انقلاب سياسي معزول عن السياق الدولي. سقوط النظام الفنزويلي واعتقال رئيسه ليسا تفصيلاً عابراً في مشهد عالمي مضطرب، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الوقائع التي تؤكد أن النظام الدولي، بصيغته الأمريكية–الإسرائيلية، لا يتسامح مع أي دولة تخرج عن الخط المرسوم لها، خاصة إذا وضعت فلسطين في قلب خطابها السياسي.
منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، اتخذت فنزويلا موقفاً واضحاً وصريحاً في دعم الحق الفلسطيني، سياسياً وأخلاقياً، ووصفت ما يجري باعتباره عدواناً وجرائم حرب. هذا الموقف، وإن بدا للبعض رمزياً أو خطابياً، إلا أنه في ميزان السياسة الدولية يُعدّ خروجاً عن الإجماع المفروض، وتمرداً على السردية التي تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل تكريسها باعتبار الاحتلال “حقاً” والمقاومة “إرهاباً”.
هنا تبدأ القصة الحقيقية.
السياسة لا تعاقب الأنظمة… بل المواقف
التاريخ الحديث مليء بالشواهد التي تؤكد أن الولايات المتحدة لا تُسقط الأنظمة لأنها فاسدة، ولا لأنها مستبدة، بل لأنها تتبنى مواقف سياسية تتعارض مع مشروع الهيمنة.
جمال عبد الناصر لم يكن خطراً لأنه بنى دولة قوية فحسب، بل لأنه حمل مشروعاً قومياً جعل فلسطين جزءاً من الأمن القومي العربي.
وصدام حسين، بكل ما عليه من ملاحظات، لم يُستهدف لأنه ديكتاتور فقط، بل لأنه حاول أن يخرج عن بيت الطاعة الأمريكي، ووضع نفسه – ولو خطابياً – في موقع الداعم للقضية الفلسطينية.
اليوم، تتكرر المعادلة ذاتها مع فنزويلا، ولكن بأدوات أكثر فجاجة ووضوحاً:
دولة تعلن وقوفها مع فلسطين، تُحاصر اقتصادياً ، تُشيطن إعلامياً، تُعزل سياسياً، ثم تُستهدف مباشرة.
فلسطين في قلب الصراع الدولي… لا على هامشه
ما يجب أن نفهمه بوضوح هو أن فلسطين لم تعد مجرد قضية إنسانية أو ملف حقوقي، بل أصبحت عقدة مركزية في الصراع على شكل النظام العالمي.
الوقوف مع فلسطين يعني – ضمناً – التشكيك في أخلاقية القوة الغربية، وفي ازدواجية معاييرها، وفي شرعية الاحتلال الذي تحميه وتدعمه بلا حدود.
ولهذا، فإن السياسة الأمريكية–الإسرائيلية لا تستهدف الفلسطيني وحده، بل تستهدف كل من يحاول كسر عزلته أو منحه غطاءً سياسياً أو أخلاقياً. المطلوب استراتيجياً أن يبقى الفلسطيني وحيداً:
بلا سند دولي حقيقي،
وبلا أنظمة جريئة،
وبلا توازن ردع سياسي أو أخلاقي في النظام العالمي.
رسالة فنزويلا… ورسالة العقاب
ما حدث في فنزويلا اليوم يحمل رسالة تتجاوز حدود أمريكا اللاتينية:
أي دولة تفكر أن تجعل فلسطين جزءاً من هويتها السياسية، أو أن تتحدى الرواية الإسرائيلية، ستُدفع ثمناً باهظاً.
هذه ليست نظرية مؤامرة، بل قراءة واقعية لمسار ممتد لعقود، حيث تتقاطع المصالح الأمريكية مع الأمن الإسرائيلي، ويتم توظيف أدوات الاقتصاد والعسكر والإعلام لإعادة ضبط المشهد الدولي بما يخدم هذا التحالف.
هل تبقى فلسطين ضحية؟
السؤال الحقيقي ليس: لماذا سقطت فنزويلا؟
بل: هل يُسمح في هذا العالم بوجود دولة قوية، مستقلة، داعمة لفلسطين؟
حتى اللحظة، تشير الوقائع إلى أن الإجابة لا تزال سلبية.
لكن الثابت أيضاً أن فلسطين، رغم كل محاولات عزلها وتجفيف منابع دعمها، بقيت حاضرة، لأن القضية لا تعيش على الأنظمة وحدها، بل على عدالة الفكرة، ووعي الشعوب، وتراكم النضال.
فنزويلا قد تسقط كنظام، لكن الرسالة الفلسطينية ستبقى:
أن هذا العالم لا يعاقب من يخطئ فقط، بل يعاقب من يقول لا… حين تكون “لا” من أجل فلسطين.
א 04 ינו 2026 9:40 am - שעון ירושלים
فنزويلا سقطت… وفلسطين هي التهمة
معمر يوسف العويوي





שתף את דעתך
فنزويلا سقطت… وفلسطين هي التهمة