شهد عام 2025 تصعيدًا لافتًا في استخدام القوة الجوية الأميركية، مع توسّع غير مسبوق في الضربات عبر قارات متعددة، في ظل قرار الرئيس دونالد ترمب تخفيف قواعد الاشتباك ومنح القادة العسكريين هامشًا واسعًا لاتخاذ قرار القصف دون قيود سياسية أو قانونية صارمة. هذا التحول أعاد ترسيخ نهج “الضربات السهلة" كأداة مركزية للسياسة الخارجية الأميركية.
ووفقًا لتقرير صادر عن مشروع بيانات النزاعات المسلحة (ACLED)، فإن عدد الضربات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة خلال الأشهر الخمسة الأولى من ولاية ترمب الثانية يكاد يوازي مجموع ما نُفذ خلال ولاية السابق الرئيس جو بايدن الممتدة لأربع سنوات، ما يعكس قفزة نوعية في وتيرة العنف الجوي واستخفافًا بكلفه الإنسانية والسياسية.
وإذا صَحّت ادعاءات ترمب بشأن تنفيذ هجوم ليلة عيد الميلاد داخل فنزويلا، يُرجّح أنه تم بطائرة مسيّرة تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، فإن الولايات المتحدة تكون قد قصفت سبع دول خلال عام واحد، إضافة إلى تنفيذ ضربات في المياه الدولية ضد قوارب يُزعم ارتباطها بتهريب المخدرات في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، في سابقة قانونية خطيرة.
الصومال
شهد الصومال أعلى تصعيد جوي أميركي في تاريخه، مع تنفيذ ما لا يقل عن 127 غارة خلال عام واحد، متجاوزًا الرقم القياسي السابق الذي سُجّل أيضًا في عهد ترمب خلال ولايته الأولى. وتشير بيانات "نيو أميركا" إلى أن ضربات 2025 تفوق مجتمعة ما نُفذ خلال إدارات بايدن وأوباما وبوش.
استهدفت الضربات حركة الشباب وفصيلًا صغيرًا تابعًا لتنظيم داعش في بونتلاند، وسط تقارير متكررة عن سقوط مدنيين. غير أن غياب التغطية الإعلامية الأميركية، إلى جانب قمع الصحافة من قبل الحكومة الصومالية المدعومة أميركيًا، يجعل التحقق المستقل من الخسائر شبه مستحيل، ما يثير مخاوف من حرب تُدار في الظل وبلا مساءلة.
نيجيريا
في يوم عيد الميلاد (25/12/2025)، نفذت الولايات المتحدة أول ضربة صاروخية معروفة داخل نيجيريا، مستهدفة ما قيل إنه معقل لتنظيم داعش في منطقة لا تُعد تقليديًا مركزًا لنشاطه. وأقرت الحكومة النيجيرية بسقوط صواريخ على قريتين خارج نطاق الهدف، ما أدى إلى تدمير منازل وبث الذعر بين المدنيين.
وبعد مرور أيام، لم تظهر أي أدلة على تحييد قيادات بارزة من داعش، فيما يرجح محللون أن الهدف الحقيقي كان جماعة محلية مسلحة، ما يعكس ارتباكًا استخباراتيًا واندفاعًا عسكريًا قد يفاقم عدم الاستقرار بدل احتوائه.
اليمن
أطلقت إدارة ترمب في 15 آذار 2025 حملة "راف رايدرRough Rider " ردًا على إعلان الحوثيين استئناف حصار الملاحة الإسرائيلية. وأسفرت الحملة، وفق منظمة "إير وورز Air wars"، عن مقتل أكثر من 250 مدنيًا، شملت قصف ميناء رأس عيسى ومركز احتجاز مهاجرين في صعدة، في ضربات أثارت إدانات حقوقية واسعة.
ورغم كثافة القصف، فشلت الحملة في تحقيق أهدافها المعلنة، إذ استمرت هجمات الحوثيين حتى وقف إطلاق النار في غزة، ما يعكس مرة أخرى محدودية القوة الجوية حين تُستخدم كبديل عن الحلول السياسية.
العراق وسوريا
واصلت الولايات المتحدة غاراتها ضمن التحالف ضد داعش، لكنها وجدت نفسها في تناقض خطير عبر التنسيق مع حكومة سورية جديدة تقودها هيئة تحرير الشام، المصنفة كتنظيم مرتبط بالقاعدة. وأسفر هذا التداخل عن مخاطر مباشرة، خصوصًا بعد مقتل ثلاثة أمdركيين في هجوم نفذه عنصر من قوات حكومية حليفة.
ورغم إعلان القيادة المركزية “تحييد” 25 عنصرًا من داعش، تبقى البيئة الأمنية هشة، ويظل الوجود الأمdركي عرضة لاختراقات داخلية في تحالفات ملتبسة.
إيران
فس 13 حزيران 2025، دخل ترمب التاريخ كأول رئيس أميريكي يقصف إيران مباشرة، مستهدفًا منشآت نووية بقاذفات B-2 وصواريخ توماهوك، بالتوازي مع دعم مكثف للحرب الجوية الإسرائيلية التي أوقعت أكثر من ألف قتيل خلال 12 يومًا.
ورغم التفوق العسكري، اخترقت صواريخ إيرانية الدفاعات الجوية، ما دفع إسرائيل إلى القبول بوقف إطلاق النار. ومع استمرار الخطاب التصعيدي، يلوح شبح مواجهة جديدة في 2026.
منطقة البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ
نفذت واشنطن 30 غارة ضد قوارب يُزعم ارتباطها بتهريب المخدرات، أسفرت عن مقتل 107 أشخاص في عمليات وُصفت بأنها إعدامات خارج القانون، دون تقديم أدلة أو تحديد هويات الضحايا، في انتهاك صارخ للقانونين الأمريكي والدولي.
فنزويلا
أثار إعلان ترمب عن هجوم داخل فنزويلا (25/12/2025)، نفذته على الأرجح الـCIA، مخاوف من تصعيد خطير ضمن سياسة تغيير النظام. ورغم غياب تأكيد رسمي، فإن السياق العام من حصار ومصادرة ناقلات نفط يجعل احتمال المواجهة العسكرية الشاملة في 2026 قائمًا.
وتكشف حصيلة عام 2025 أن إدارة ترمب لم تتعلم من إخفاقات "الحرب على الإرهاب"، بل أعادت إنتاجها بصيغة أكثر فجاجة. فالضربات الجوية، حين تُستخدم كأداة سياسية سهلة، لا تصنع استقرارًا ولا تردع خصومًا، بل تخلق دوائر عنف جديدة وتآكلًا ممنهجًا للقانون الدولي، وتحوّل القوة العسكرية إلى بديل عن الدبلوماسية الغائبة.
ولعل الأخطر من عدد الضربات هو تطبيعها: غياب النقاش الداخلي، وتهميش الكونغرس، وصمت الإعلام، كلها مؤشرات على انزلاق الولايات المتحدة نحو "حروب منخفضة الكلفة سياسيًا وعالية الكلفة إنسانيًا". عام 2025 لم يكن استثناءً، بل قد يكون مقدمة لمرحلة تُدار فيها السياسة الخارجية من قمرة طائرة، لا من طاولة مفاوضات.





שתף את דעתך
الولايات المتحدة تقصف سبع دول في 2025: عام الضربات المفتوحة في عهد ترمب