يحتفي الائتلاف الحاكم في السويد بما يعتبره «إنجازاً» في تراجع أعداد طالبي اللجوء، بعدما سجل عام 2024 أدنى مستوى له منذ عام 1985، بواقع 6250 طلباً فقط. إلا أن هذا التشدد، الذي حوّل السويد من نموذج إنساني إلى «مختبر» للسياسات التقييدية في أوروبا، بدأ يثير قلقاً عميقاً في الأوساط الاقتصادية والتجارية، التي تحذّر من أن السياسات الجديدة قد تشكل تهديداً مباشراً للنمو والإنتاجية في البلاد.
ذلك أن السويد تعتمد بشكل كبير على العمالة الأجنبية لسدّ الفجوات في سوق العمل، خصوصاً في القطاع الخاص الذي يواجه تحديات متزايدة.
ولقد أفادت تقارير سابقة بأن السويد بحاجة إلى عشرات الآلاف من المُهاجرين سنوياً للحفاظ على مستوى نمو مقبول في القوة العاملة، لا سيما في مجالات حيوية مثل الرعاية الصحية، والتكنولوجيا، وقطاع البناء. ولقد تسبب القرار الحكومي برفع الحد الأدنى للرواتب المطلوبة لتصاريح العمل من 80 في المائة إلى 100 في المائة من متوسط الراتب الوطني في إقصاء العديد من المهن الضرورية التي كانت تعتمد على هذه العمالة، الأمر الذي يزيد من صعوبة توظيف الكفاءات في مجالات تحتاج إلى خبرات متخصصة.
كذلك، يؤكد الاقتصاديون أن الفوائد الاقتصادية المرجوّة من تقليص الهجرة هي محل جدل كبير، وقد تكون لها تأثيرات سلبية على القدرة التنافسية للاقتصاد السويدي على المدى الطويل، خصوصاً أن البلاد تواجه شيخوخة سكانية.
هذا التشدد، الذي حوّل السويد من نموذج إنساني إلى «مختبر» للسياسات التقييدية في أوروبا، بدأ يثير قلقاً عميقاً في الأوساط الاقتصادية والتجارية.
ومن جانبها، تدق منظمات حقوق الإنسان ناقوس الخطر، إذ وصف خبراء هذه السياسات بأنها «هجوم على حقوق اللاجئين»، وتهدد سيادة القانون. ورأى جون ستوفر، من منظمة الدفاع عن الحقوق المدنية أن هذه التغييرات «تقوّض سيادة القانون وتجعل الحياة أصعب للاجئين وطالبي اللجوء»، الأمر الذي يضيف بُعداً أخلاقياً وقانونياً للخسائر الاقتصادية المحتملة. ثم أن تأثير هذا التحوّل السويدي لا يقتصر على الداخل فقط، بل أغرى قوى في دول الشمال الأوروبي الأخرى، مثل فنلندا والنرويج، لتبني سياسات أكثر صرامة، ما يؤكد أن السويد انتقلت من «صوت الضمير الإنساني» إلى «رأس حربة التشّدد» في القارة الأوروبية.
الانتقال من الريادة إلى العزلة الإقليميةوهكذا، في مفارقة تاريخية لافتة، انقلبت السويد من قائدة للنموذج الإنساني النوردي (مواطن دول شمال أوروبا) إلى الدولة الأكثر تشدداً بين جيرانها الإسكندنافيين. وبينما كانت الدنمارك تُعدّ تاريخياً الأكثر صرامة في سياسات الهجرة، تفوّقت عليها السويد اليوم بإجراءات غير مسبوقة في قسوتها. إذ إن الدنمارك، التي بدأت التشدد منذ 2001 تحت ضغط حزب «الشعب الدنماركي اليميني»، احتفظت على الأقل ببعض آليات الحماية الإنسانية. أما النرويج، فعلى الرغم من تبنّيها سياسات أكثر تقييداً في الآونة الأخيرة، وبدء التشّدد تدريجياً في شروطها لمنح اللجوء... فإنها حافظت على التزامها بالمعايير الأوروبية للحماية الدولية. كذلك، هناك فنلندا، الأقل استقبالاً للمهاجرين تاريخياً، طرحت مشاريع قوانين لتقليص فترات الحماية وخفض المساعدات الاجتماعية، لكنها تبدو رغم ذلك أكثر اعتدالاً من السويد في ظل سلطاتها الجديدة.
وختاماً، هذا التحول السويدي خلق، بلا شك، توتراً في التعاون النوردي (الأوروبي الشمالي) التقليدي. ذلك أن «المجلس النوردي»، الذي طالما كان منصة للتنسيق الإقليمي، أصبح يشهد انقسامات حادة حول قضايا الهجرة.
فالسويد التي كانت تدعو لسياسات موحّدة قائمة على القيَم الإنسانية، باتت اليوم تقود حملة للتشدد تجاه استقبال الأجانب، ما يهدد التماسك الإقليمي ويضع النموذج النوردي للرفاه الاجتماعي أمام تحديات وجودية. وفي حين كانت السويد تفخر بكونها «القوة الإنسانية العظمى» فهي تعيد اليوم تعريف نفسها «حصناً شمالياً» يحمي حدوده ونموذجه الاجتماعي من «الآخرين». وفي هذا التحول، تكمن مأساة ليست سويدية فحسب، بل أوروبية وإنسانية، تطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل القيم الليبرالية والتضامن الإنساني في عالم متغيّر.





שתף את דעתך
تحذيرات في أوساط الاقتصاديين والحقوقيين