لم يكن المؤتمر الصحفي المشترك بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في منتجع مارالاغو حدثاً بروتوكولياً عادياً، بل جاء محمّلاً بدلالات سياسية عميقة، سواء في ما طُرح من مواقف أو في ما جرى تجاهله عمداً. فالمؤتمر عكس رؤية متكاملة لإدارة الصراع في المنطقة، تقوم على أولوية الأمن، وتهميش البعد السياسي، واستخدام الصمت الانتقائي كأداة لإعادة ترتيب الأجندات.
أولاً: ما قيل – خطاب أمني صريح ورسائل قوة
تركّز الخطاب المشترك على ثلاثة محاور رئيسية: غزة، وحماس، وإيران. ربط ترمب ونتنياهو أي تقدم في إعادة إعمار غزة أو الانتقال إلى المرحلة التالية من وقف إطلاق النار بشرط نزع سلاح حركة حماس، ما يعني عملياً إخضاع الملف الإنساني لمعادلات أمنية صارمة. هذه المقاربة تعكس رؤية إسرائيلية تقليدية، لكنها تكتسب وزناً إضافياً حين تصدر عن رئيس أميركي سابق يطمح للعودة إلى السلطة.
في هذا السياق، جرى تقديم إعادة الإعمار ليس كحق إنساني، بل كأداة ضغط سياسية وأمنية، تُستخدم لإعادة تشكيل الواقع في غزة وفق شروط إسرائيلية. كما حرص نتنياهو على التأكيد أن أي "يوم تالٍ" في غزة لن يكون مقبولاً إذا لم يضمن إزالة ما وصفه بـ"التهديد العسكري".
أما الملف الإيراني، فقد حضر بقوة في المؤتمر، حيث استخدم ترمب لغة تهديد مباشرة، محذراً من رد عسكري حاسم في حال أعادت طهران بناء قدراتها النووية أو الصاروخية. هذا الخطاب يعكس محاولة لربط الحرب على غزة بسياق إقليمي أوسع، وتحويلها إلى جزء من مواجهة استراتيجية شاملة، وهو ما يخدم الطرفين سياسياً وأمنياً.
ثانياً: تغييب الضفة الغربية – الصمت الأكثر دلالة
في مقابل هذا الحضور الكثيف لغزة وإيران، برز الصمت الكامل حيال الضفة الغربية المحتلة. لم يرد أي ذكر للتصعيد المستمر، ولا للتوسع الاستيطاني، ولا لاعتداءات المستوطنين، ولا حتى للوضع القانوني للأراضي المحتلة. هذا الغياب لا يمكن اعتباره صدفة، بل يعكس توجهاً واعياً لفصل غزة عن الضفة، وتحويل القضية الفلسطينية إلى ملف أمني جزئي بدلاً من كونها قضية سياسية شاملة.
تجاهل الضفة الغربية يعني عملياً القبول باستمرار الوقائع التي تفرضها إسرائيل على الأرض، دون مساءلة أو ضغط أميركي. كما ينسجم مع رؤية اليمين الإسرائيلي، التي تعتبر الضفة "أرضاً متنازعاً عليها"، وهي رؤية سبق أن تبناها ترمب خلال ولايته الأولى من خلال سياسات الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتشريع المستوطنات فعلياً.
ثالثاً: الفلسطيني الغائب والحل السياسي المؤجل
رغم الحديث المتكرر عن "اليوم التالي" في غزة، غاب أي تصور واضح لحل سياسي شامل. لم يُذكر حل الدولتين، ولم يُشر إلى حق الفلسطينيين في تقرير المصير، ولم تُطرح السلطة الفلسطينية كطرف سياسي فاعل. الفلسطيني حضر في الخطاب بوصفه مشكلة أمنية أو حالة إنسانية، لا كفاعل سياسي يمتلك حقوقاً وطنية.
هذا الغياب يعكس تحولاً أعمق في الخطاب الأميركي–الإسرائيلي، حيث جرى استبدال اللغة السياسية والقانونية بمفردات فضفاضة مثل "الاستقرار" و"الإدارة و"الترتيبات الأمنية"، وهي مفاهيم تسمح بتأجيل القضايا الجوهرية إلى أجل غير مسمى، وتُبقي الصراع في حالة إدارة دائمة دون حل.
رابعاً: صوماليلاند... الصمت الذي يخدم السياسة
من الملفات اللافتة التي لم تُذكر في المؤتمر اعتراف إسرائيل بصوماليلاند، رغم ما يحمله هذا القرار من أبعاد سياسية وقانونية إقليمية ودولية. تجاهل هذا الملف يعكس رغبة في عدم فتح نقاشات حول شرعية الاعترافات الأحادية، خاصة في ظل حساسية ملف الحدود والسيادة في النظام الدولي.
كما ينسجم هذا الصمت مع سياسة إسرائيل في تحقيق مكاسب جيوسياسية بهدوء، دون تحويلها إلى قضايا خلافية في الإعلام الدولي، خصوصاً في الساحتين العربية والأفريقية، حيث قد يثير هذا الاعتراف ردود فعل سياسية غير محسوبة.
خامساً: الصمت كأداة لإعادة ترتيب الأولويات
ما يجمع بين تغييب الضفة الغربية، وتجاهل الحل السياسي، وعدم التطرق لصوماليلاند، هو استخدام الصمت كأداة سياسية واعية. فالمؤتمر لم يكن فقط منصة لعرض مواقف، بل وسيلة لإعادة رسم أجندة الصراع، بحيث تُختزل القضية الفلسطينية في غزة وسلاحها، بينما تُرفع قضايا الاحتلال والحقوق والسيادة من جدول الأعمال.
خلاصة
المؤتمر الصحفي في مارالاغو لم يكن استعراضاً لتحالف سياسي فحسب، بل عكس رؤية متكاملة لإدارة الشرق الأوسط من منظور أمني ضيق. ما قيل كان مباشراً وحاداً، لكن ما لم يُقَل كان أكثر عمقاً ودلالة، خاصة فيما يتعلق بمستقبل الضفة الغربية والقضية الفلسطينية ككل. حيث يعكس تغييب الضفة الغربية من خطاب ترمب ونتنياهو توجهاً خطيراً لتطبيع الاحتلال باعتباره واقعاً دائماً لا يحتاج إلى نقاش سياسي. هذا الصمت يمنح إسرائيل هامشاً أوسع لتكريس الوقائع على الأرض، ويُفرغ أي حديث عن "اليوم التالي" من مضمونه الحقيقي. فغياب الضفة يعني غياب الحل، وتحويل القضية الفلسطينية إلى ملف إنساني وأمني قابل للإدارة لا للتسوية.
كما أن الصمت حول اعتراف إسرائيل بصوماليلاند يكشف ازدواجية واضحة في الخطاب السياسي، حيث تُستخدم مبادئ السيادة وحق تقرير المصير بشكل انتقائي. ففي حين تُرفض الحقوق الوطنية الفلسطينية، يجري دعم كيانات انفصالية عندما تخدم المصالح الجيوسياسية. هذا التناقض يعكس منطق القوة لا القانون، ويؤكد أن السياسة الدولية تُدار وفق موازين النفوذ لا القيم المعلنة.





שתף את דעתך
ما قيل وما لم يقل في مارالاغو: قراءة في خطاب القوة وصمت السياسة