العقار هو منجم الهيئة المحلية الذي تجني منه جزءا كبيرا من مواردها بجميع المراحل بداية من الترخيص وانتهاء بالضرائب السنوية المستدامة وتقوم الهيئات المحلية بذلك نظير ما تقدمه من خدمات تنظيمية للمباني والشوارع وإنشاء البنى التحتية والخدمات الأخرى لتحقيق هدفها الأسمى وهو خدمة المواطنين وتحسين جودة السكن ورفع كفاءة الحياة المدنية للسكان، كما يقوم ببناء البنايات مطورو البناء الذين يعتمدون على العقار في الحصول على الدخل والاستثمار ورفع قيمة شركاتهم من خلال البناء ثم البيع والتأجير
والسكان يفترضون أنه عندما تبدأ رحلتهم في المبنى الذي اختاروه ليسكنوا فيه أن يعيشوا بمساكن متكاملة الخدمات يكتنفها الهدوء والراحة والخصوصية والاستقرار النفسي والاجتماعي. ومن المفترض أن تكون المباني في وضع جيد ومستدام ومهيأ من حيث الخدمة والصيانة وتفاهم السكان على طريقة تنظيم الخدمات.
وتشمل خدمات البناية تنظيف المساحات المشتركة كالدرج وكراج السيارات ودفع فواتير صيانة المصعد وفواتير اشتراكات الكهرباء والماء الخاصة بالبناية وصيانة المبنى وغيرها ويترتب على السكان دفع اشتراك شهري قليل نسبيا يتم تجميعه لتسديد التزامات البناية، ولإدارة خدمات البناية وتنظيم المصروفات وجباية الاشتراكات يتم اعتماد لجنة داخلية للبناية من عدة أفراد من سكان البناية يقومون بمتابعة شركات التنظيف والمصاعد والكهرباء والماء ومتابعة جباية الاشتراكات من السكان ويتوجب على الجميع الالتزام بدفع الاشتراكات لاستمرار تقديم الخدمات والصيانة.
ولكن بعض السكان لا يلتزمون بدفع الاشتراكات بالرغم من استفادتهم من الخدمات من باب المماطلة والتسويف تحول الاشتراكات الى ديون متراكمة تؤدي إلى التأخير أو الانقطاع عن الدفع وهذا يشجع سكانا آخرين للتوقف عن الدفع أيضا لشعورهم بأن السكان غير الملتزمين لا يتحملون أي عواقب جراء توقفهم عن دفع الاشتراكات فلجنة البناية ليست ذات سلطة سوى بالجيرة "والمونة" وللأسف هنالك سكان ليس لديهم شعور بالمسؤولية وليس لديهم أي مانع من أن يقوم باقي السكان بالدفع لخدمتهم، عدا عمن يبرر عدم الدفع بالوضع المادي والاقتصادي الصعب بالرغم من أن الاشتراكات تعد مبالغ قليلة جدا. والبعض لا يلتزمون بسبب شعورهم بعدم العدالة وأن الخدمات لا تقدم بشكل جيد يستحق ما يتم دفعه. كل ذلك يولد شعورا بالإحباط والعجز لدى باقي السكان خاصة الملتزمين بدفع اشتراكاتهم، الأمر الذي يخلق المشاكل بين السكان.
كما ويشعر أعضاء لجنة البناية بالخذلان من السكان بشكل عام فهذه اللجنة المكونة من شخصين أو ثلاثة أشخاص من السكان أنفسهم يقومون بمتابعة قضايا البناية تطوعا من وقتهم وجهدهم من دون مقابل ويقومون أيضا بحل المشاكل بين السكان في كثير من الأحيان كما ويواجهون الشركات ومقدمي الخدمات الذين اتفقوا معهم في البداية كشركة المصاعد وشركة الكهرباء ومصلحة المياه أو البلدية وغيرها ويصبحون مسؤولين أمامهم عن تأخير تسديد فواتير خدمات البناية وفي المقابل عندما يطلبون الاشتراكات من سكان البناية ويماطل السكان ويتأخرون بالدفع يشعرون وكأنهم يستجدونهم لخدمتهم، وللأسف هذه الحالة تتكرر في معظم البنايات وبشكل شهري. ويبدو أن هذه المشكلات لا تحل بالأخلاق بل بالقانون الذي يقضي بالإلزام الفوري لتلبية متطلبات البنايات السكنية
ينص القانون الفلسطيني رقم (1) لسنة 1996م "بشأن تمليك الطبقات والشقق والمحلات" في الفصل الرابع (إدارة العقار) على عدة مواد تجيز تكوين اتحاد للعقار لضمان حسن الانتفاع به، ويعتبر اتحاد الملاك قائماً بقوة القانون ويوضح كيفية تمثيل الاتحاد أمام القضاء وينص قرار وزير الاسكان رقم (2) لسنة 1997م "بشأن اللائحة التنفيذية لقانون تمليك الطبقات والشقق والمحلات" في الفصل السابع (اتحاد المالكين) ضمن مواده على نظام تشكيل اتحاد لإدارة المصالح المشتركة في البناء ويوضح آليات انتخاب مدير الاتحاد ومدة ولايته واستلام الحسابات واستيفاء المصاريف من السكان، ولكن هذه القوانين واللوائح لم تحدد أي آليات لإلزام السكان بهذا النظام بشكل فوري، وأقصد بشكل فوري فرض آليات سريعة الاستجابة لمعالجة التأخير أو الامتناع عن دفع الاشتراكات من قبل السكان لأنه لا يمكن انتظار تعطل المصاعد أو انقطاع الكهرباء أو تأخر الصيانة عن الأجزاء المشتركة وغيرها من الخدمات لحين تقديم شكاوى أمام القضاء وانتظار صدور قرارات المحكمة إلا في الحالات المستعصية.
وهنا يأتي دور المنظم الأكبر؛ البلدية أو المجلس القروي وهي التي بيدها فرض النظام على الجميع؛ نظام يكفل جباية المستحقات بموعدها وضمان استدامة تقديم الخدمات، ولحل هذه المشكلة يتوجب وضع آليات سريعة الاستجابة تلزم الجميع بها، من خلال تأسيس نظام ولوائح سريعة الاستجابة وتفويض أعضاء لجان البنايات بمزيد من السلطة والقدرة على اتخاذ القرارات السريعة
عالميا نرى في ألمانيا على سبيل المثال يتم تحويل المتأخرات إلى “سند تنفيذي” (حكم/أمر) ثم تنفيذ جبري لتحصيل الاشتراكات المتأخرة، وفي سنغافورة يمكن تحصيلها كدين مع فائدة من خلال شركات لإدارة العقار (Management Corporation) وفي ولاية كاليفورنيا الأمريكية تقوم الجمعية بتسجيل دين (Claim of Lien) لتأمين كل الاشتراكات غير المدفوعة، ومعها فائدة وغرامات تأخير إدارية وتكاليف وأتعاب محاماة ضمن إجراءات التحصيل، في مدن هذه الدول وغيرها يعتبر عدم وجود جمعية هو مخالفة قانونية بحد ذاته.
وكإجراءات فورية سريعة الاستجابة تستطيع جمعية الملاك في عدة مدن في العالم فرض غرامات تأخير على المتخلفين عن تسديد الاشتراكات ويتم تجميد خدمات البلدية من ضمنها منع بيع العقار أو التصرف به واذا استمر الامتناع عن الدفع يمكن للجمعية منع استخدام بعض مرافق البناية مثل موقف السيارة أو المخزن ويمكن أيضا قطع الكهرباء والماء ورفع دعوى مدنية والحكم بالحجز على حساب البنك الخاص بالساكن أو اقتطاع المبلغ المطلوب من حسابه أو حتى إجبار صاحب العقار على بيع وحدته السكنية في حالات قصوى.
في المدن الفلسطينية أيضا يمكننا تطوير لوائح تنظيمية تتناسب معنا وأقترح هنا تطوير صندوق تكافلي على سبيل المثال تقوم بتنظيمه جمعية منبثقة عن الهيئة المحلية أو بتنظيم منها وتحت رقابتها، يكون من مهام الجمعية تنظيم الصندوق وضمان استقلاليته وفصل ذمة كل بناية على حدة وإلزام مطوري البناء بتنسيب جميع السكان للصندوق مع توفير حساب بنكي للدفع الالكتروني وذلك ضمن عقود البيع أو التأجير لضمان التزام الساكن بمبالغ الاشتراكات الشهرية والتبعات القانونية في حال التأخر أو الانقطاع عن الدفع
لهذه الغاية يمكن استحداث تطبيق الكتروني تابع للبلدية أو تطوير تطبيقات البلدية الحالية بحيث تضم شاشة خاصة بكل بناء قابل للاستخدام السهل من قبل السكان وأعضاء لجان البنايات ويشتمل على عمليات دفع الاشتراكات وبالتالي دفع فواتير الكهرباء والماء للبناية وصيانة المصاعد ومواعيد التنظيف والوضع المالي بشكل عام. كما ويمكن للهيئات المحلية خاصة في المدن الكبيرة دراسة فرض توظيف حارس للبناية أو حارس لعدة بنايات، الذي قد يكون له دور كبير في تنظيم الخدمات ومتابعة جباية المستحقات، ويمكن للبلدية أن تشرف على تشكيل لجان بنايات وتشكيل لجان أحياء أيضا ودمجهما ضمن هيكلية ذات صلاحيات بمستويات مختلفة لضمان الشفافية في تقديم الخدمات وعدم المحاباة في تطبيق المخالفات على السكان غير الملتزمين بالدفع
سيكون التفاعل من خلال التطبيق له أهمية كبيرة للهيئة المحلية في حوكمة خدماتها ورفع كفاءة وجودة الحياة في البنايات مما ينعكس على ترسيخ الثقة بالبلدية وقبولها وتواجدها جنبا الى جنب مع المواطن في جميع تفاصيل حياته اليومية وهو ما تصبو إليه البلدية الناجحة وستستفيد البلدية من هذا التطبيق من التغذية الراجعة عن رضى السكان والاستفادة من اقتراحاتهم الخاصة بالمباني والأحياء، والاستفادة من معلومات التطبيق بهدف تلاقي خدمات الهيئات المحلية مع متطلبات السكان وحاجاتهم، ولا سيما الحصول على احصائيات حقيقية لآراء السكان بعيدا عن المعلومات العشوائية الواردة عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو الاتصالات الفردية وستتمكن الهيئة المحلية من معرفة حاجات السكان الحقيقية ذات الأولوية لمعظمهم لتقوم بدورها التنظيمي وتوجيه جهودها بشكل عادل نحو القضايا ذات الأهمية بالنسبة للسكان.
ولأنني أسكن مدينة رام الله التي تنظمها بلدية رام الله. وهي من الهيئات المحلية الرائدة في فلسطين فإنني أتوسم خيرا في أن تقوم بلدية رام الله بالمبادرة لمعالجة هذه المشكلة التي يعاني منها معظم سكان البنايات في المدينة وستكون بلدية رام الله كما نعرفها سباقة في تطبيق الحلول الإبداعية ونقل تجربتها لباقي الهيئات المحلية.





שתף את דעתך
خدمات البنايات السكنية في فلسطين ... بين دفع الاشتراكات وسرعة الاستجابة