تعكس تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال مؤتمر صحفي في وزارة الخارجية، مقاربة أميركية حذرة لكنها متعددة المسارات تجاه إسرائيل والملفات الإقليمية المتشابكة، من عنف المستوطنين في الضفة الغربية، إلى الكارثة الإنسانية في غزة، مرورًا بملف نزع سلاح حركة حماس والتوتر على الجبهة اللبنانية.
من دون أن يسمّي الظاهرة صراحة، أقرّ روبيو بأن واشنطن تمارس ضغوطًا خاصة على إسرائيل بشأن تصاعد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وهو عنف بات، وفق توصيفات أميركية سابقة، شبه منفلت من المحاسبة. وأشار إلى أن السفارة الأميركية أصدرت بيانات علنية حول حوادث محددة “تثير القلق” وتُشكّل “نقطة احتكاك شديدة” في الجهود الأوسع لتحقيق الاستقرار. كما ذكّر بأن السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، تناول هذه المسألة مؤخرًا “بلهجة حازمة”، في إشارة غير مباشرة إلى وصفه هذا العنف بأنه “إرهاب”.
لغة روبيو هنا تكشف عن مفارقة أميركية مألوفة: اعتراف بالمشكلة، وانتقاد محسوب، لكن من دون الانتقال إلى إجراءات علنية ضاغطة أو ربط مباشر بين استمرار العنف وتداعيات سياسية ملموسة على العلاقة الثنائية. فالوزير شدد على أن واشنطن “ستواصل إيصال موقفها” بشأن تأثير هذا العنف على “التحديات الأوسع”، ما يوحي بأن القضية تُدار ضمن قنوات دبلوماسية مغلقة، تفاديًا لمواجهة مباشرة مع الحكومة الإسرائيلية.
في موازاة ذلك، تناول روبيو الأزمة الإنسانية المستمرة في غزة، مؤكدًا رغبة الإدارة الأميركية في زيادة حجم المساعدات التي يُسمح بدخولها إلى القطاع. وتحدث عن مساعٍ لتفعيل ما أسماه “مجلس السلام”، إلى جانب آليات ما بعد الحرب، في محاولة لإظهار أن واشنطن لا تفكر فقط في إدارة الحرب، بل أيضًا في اليوم التالي لها. غير أن هذه التصريحات تبقى عامة، ولا تتطرق إلى العقبات السياسية والأمنية التي تضعها إسرائيل أمام تدفق المساعدات أو أمام أي ترتيب فعلي لإدارة غزة مستقبلًا.
أما في ملف حماس، فلم يستبعد روبيو ضمنيًا سيناريو نزع سلاح “انتقائي”، يميّز بين الأسلحة الثقيلة والخفيفة، وهو طرح يُتداول في كواليس دبلوماسية منذ أشهر. ورغم رفضه الخوض في تفاصيل تفاوضية، شدد على أن أي صيغة لنزع السلاح يجب أن تمنع حماس من امتلاك القدرات التي تمكّنها من تهديد إسرائيل. وربط بشكل مباشر بين نزع السلاح وإمكانية تحقيق السلام وجذب الاستثمارات لإعادة إعمار غزة، معتبرًا أن غياب هذا الشرط سيُبقي شبح الحرب حاضرًا خلال سنوات قليلة.
وأكد روبيو أن أي اتفاق محتمل يجب أن يحظى بموافقة إسرائيل، وأن يُفرض على حماس عبر ضغط من “الشركاء”، في إشارة إلى أطراف إقليمية ودولية. هذا الموقف يعكس إصرارًا أميركيًا على أولوية الأمن الإسرائيلي، حتى عند مناقشة حلول يُفترض أنها سياسية أو انتقالية.
وعلى الجبهة اللبنانية، أبدى روبيو تفاؤلًا حذرًا حيال المحادثات المباشرة بين إسرائيل ولبنان، معربًا عن أمله في أن تفضي إلى مسار يمنع الانزلاق إلى مواجهة جديدة. لكنه أقرّ في الوقت نفسه بأن إسرائيل تحتفظ بحقها في مواصلة العمل العسكري ضد حزب الله إذا شعرت بتهديد. الحل، من وجهة نظره، يكمن في “دولة لبنانية قوية” قادرة على بسط سيادتها ونزع صفة “التهديد المسلح” عن حزب الله، سواء لإسرائيل أو للدولة اللبنانية نفسها.
تكشف تصريحات روبيو عن سياسة أميركية تقوم على إدارة الأزمات لا حلّها، وعلى إرسال رسائل متناقضة الأطراف: انتقاد محسوب لإسرائيل من جهة، وتأكيد دائم على مركزية أمنها من جهة أخرى. فالضغط على عنف المستوطنين يبقى شفهيًا، فيما تُربط أي حلول في غزة أو لبنان بشروط أمنية إسرائيلية صارمة. هذا النهج قد يخفف التوترات مؤقتًا، لكنه يعجز عن معالجة جذور الصراع، ويُبقي واشنطن أسيرة معادلة قديمة: استقرار هش، بلا عدالة سياسية، وبلا أفق حقيقي لتسوية مستدامة





שתף את דעתך
واشنطن تضغط بهدوء: رسائل أميركية مزدوجة لإسرائيل حول عنف المستوطنين وغزة ونزع سلاح حماس