ה 18 דצמ 2025 10:02 am - שעון ירושלים

كرامةٌ مكتوبةٌ بحبر لغوي.. العربية على طاولة الحوار الدولي: بوصفها ساحة إنصاف أم أداة إقصاء؟

كوثر فارس

حين استوتِ الحروفُ على عرشِ التَّمام، ونَطَقَ الدَّهرُ بِلذيذِ الكلام، كانت العربيةُ هي العِماد، وعليها في تبيانِ الحقِّ الاعتماد؛ لغةٌ صِينَت من شَوْبِ النَّقص، وزِينَت بِحُسْنِ النَّص، فجمعت بين رِقّةِ الأنفاس، ودِقّةِ الأجناس، وقُوّةِ المِراس. إليكِ تنتهي غاياتُ الأدب، وفي مِحراِبكِ يُخلعُ ثوبُ العجب؛ يا لغةً مَلأت الخافقين شَجىً، وفتحت للعارفين مَهجىً، كأنَّ نُطقكِ زُلال، ووصْلكِ نوال، وفضلكِ فوقَ كلِّ خيال. وما كان شوقي، أميرُ البيانِ وحارسُ العرين، حين قال قولتَهُ الفصلَ:
«إِنَّ الَّذي مَلأَ اللُغاتِ مَحاسِنًا … جَعَلَ الجَمالَ وَسِرَّهُ في الضادِ»
يُحصي مزايا صوتية، ولا يُفاخر بتراكيب صرفية، بل كان يلمس جوهرًا أعمق؛ كان يشير إلى لغةٍ أُعطيت سرّ الجمع بين الدقة والاتساع، بين الصرامة والانسياب، بين العقل والحدس. لغةٌ لا تُحبَس في معنى واحد، ولا تُغلق على تأويلٍ واحد، بل تفتح أبوابها كما تُفتح المدن العتيقة: بحذرٍ، وبكرمٍ، وبذاكرةٍ تعرف من يدخلها.
من هذا المدخل، لا تعود العربية مجرد وسيلة تعبير، بل تصير موقفًا من العالم، وطريقة في الوجود، وأفقًا أخلاقيًا قبل أن تكون أفقًا لغويًا. فاللغة، حين تبلغ هذا المقام، لا تقف عند حد الإبلاغ، بل تتجاوز إلى الإقرار؛ إقرار بالذات، وإقرار بالآخر، وإقرار بحق الكلمة أن تكون شاهدة لا خادمة، وحَكَمًا لا تابعًا. وحين تُدعى العربية إلى طاولة الحوار الدولي، فإنها لا تأتي بوصفها ضيفة ثقيلة الظل، ولا بوصفها زينة تراثية تُستحضر للزوم الاحتفاء، بل تدخل وهي تحمل تاريخًا من القول، وسجلًا من العقل، وخبرة طويلة في تنظيم المعنى، وضبط الخلاف، وبناء الجسور بين المختلفين.
في فضاءات العلاقات بين الأمم، لا تُدار الأمور بالسلاح وحده، ولا بالاقتصاد فحسب، بل بالكلمات التي تسبق الرصاص، وتؤطر المعاهدات، وتُشرعن القرارات. هناك، حيث تُقاس السيادة بقدرة الدولة على أن تقول "نعم" و"لا" بلغتها، تصبح اللغة معيارًا من معايير الكرامة السياسية. فأن تُجبر أمة على أن تتكلم بلسان غيرها، معناه أن تُجبر على التفكير داخل قوالب غيرها، وأن تدافع عن قضاياها بمفردات لم تولد من تجربتها، ولا نمت في تربتها. هنا، يتحول الإقصاء اللغوي إلى إقصاء معرفي، ثم إلى إقصاء رمزي، ثم إلى إقصاء فعلي، تتآكل معه الحقوق كما تتآكل السواحل حين يُتركها البحر بلا سدود.
العربية، في هذا السياق، ليست لغة ذاكرة فقط، بل لغة مطالب. هي لغة تستطيع أن تقول "العدل" دون أن تُفرغه من روحه، وأن تنطق "الحق" دون أن تحيله إلى مجرد إجراء إداري. في بنيتها المعجمية، تتجاور القيم مع الوقائع، فلا ينفصل اللفظ عن الأخلاق، ولا ينفك المعنى عن السياق الإنساني. ولهذا، فإن حضورها في الخطاب الدولي ليس مجرد ترجمة حرفية للنصوص، بل ترجمة لرؤية، وإدخال لميزان قيمي يذكّر العالم بأن الإنسان ليس رقمًا في تقرير، ولا بندًا في اتفاق، بل كائن ذو كرامة، لا تستقيم إلا إذا سُمعت كلمته بلغته.
ولعل أخطر ما يواجه اللغات الكبرى في زمن العولمة ليس الموت المفاجئ، بل التهميش البطيء. تهميش لا يُعلن العداء، بل يتخفى في ثوب "العملية" و"السرعة" و"اللغة المشتركة". هناك، تُدفع اللغات إلى الهامش باسم الكفاءة، وتُختزل في الاستعمال المنزلي أو الطقوسي، بينما يُحتكر المجال العام بلغة واحدة تُقدَّم بوصفها حيادية، وهي في الحقيقة محمّلة بتاريخ قوة، وسياق هيمنة، ونظرة مخصوصة للعالم. في هذا المشهد، تصبح العربية أمام اختبار أخلاقي: هل تُستعمل لتكريس الفجوة، أم لتقليصها؟ هل تكون أداة إنصاف، أم تُترك لتُصوَّر كعائق، وكأنها المسؤولة عن تأخر أهلها لا شاهدة على ما لحق بهم؟
إن الدفاع عن العربية، في هذا المستوى، ليس حنينًا إلى ماضٍ مكتمل، ولا رفضًا للانفتاح، بل هو مطالبة بحق أساسي: حق الجماعة في أن تُسمّى الأشياء بأسمائها، لا بأسماء تُفرض عليها. فاللغة، حين تُهمَّش، لا تفقد كلماتها فقط، بل تفقد قدرتها على إنتاج المفاهيم، وحين تفقد المفاهيم، يصبح أهلها مستهلكين لأفكار غيرهم، لا مشاركين في صنع المعنى العالمي. هنا، يتقاطع سؤال اللغة مع سؤال العدالة، ويتجاور مصير الكلمة مع مصير الإنسان.
وليس من المصادفة أن تكون أغلب المواثيق الدولية قد كُتبت بلغات محددة، وأن تكون عملية الترجمة نفسها ساحة صراع خفي. فالترجمة ليست نقلًا بريئًا، بل اختيار، وحذف، وإضافة، وتأويل. وكلما ضعفت اللغة المنقول إليها، ازداد خطر أن تُفرَّغ النصوص من روحها. العربية، بما تمتلكه من سعة دلالية وقدرة على التفريق الدقيق بين المعاني المتقاربة، قادرة على أن تكون لغة قانون بقدر ما هي لغة شعر، ولغة فلسفة بقدر ما هي لغة بيان سياسي. غير أن هذه القدرة لا تُستثمر إلا إذا مُنحت المكانة، واعترف بها شريكًا كامل الأهلية في إنتاج الخطاب الدولي.
في إحدى لحظات الوعي اللغوي الحاد، كتب مصطفى صادق الرافعي عبارته التي صارت أشبه بمرآة تاريخية نرى فيها مصائر الأمم:
"ما ذلّت لغةُ شعبٍ إلا ذلّ، ولا انحطّت إلا كان أمره في ذهابٍ وإدبار".
ليست هذه الجملة تقريرًا لغويًا محضًا، بل قانون اجتماعي أخلاقي. فالذل هنا ليس نتيجة مباشرة لضعف اللغة، بل لضعف الإرادة في حمايتها، والانحطاط ليس سببه فقر المعجم، بل فقر الثقة بالذات. حين تفقد الأمة إيمانها بلغتها، فإنها تفقد قدرتها على الدفاع عن نفسها، لأن الدفاع يبدأ بالكلمة، والاحتجاج يبدأ بالجملة، والمطالبة بالحق تبدأ بصيغة لغوية قادرة على أن تحمل الغضب دون أن تنفجر، والحكمة دون أن تتلاشى.
وبين صفحات التاريخ التي شهدت مداولات الأمم، ثمة مواقف تُبرز دور اللغة العربية في حضور الرأي وصياغة القرار. اللغة لم تُستعمل مجرد أداة لنقل المعنى، بل كانت وسيلة للحفاظ على التجربة والموقف، وللتأكيد أن الحق في التعبير لا يختزل. وعندما وُظفت العربية في هذه السياقات، لم تكن لتفرض نفسها، ولا لتتنازع، بل لتذكّر الجميع بأن العدالة في القرار تقوم على القدرة على الفهم، وليس على الترجمة المجردة. بهذا، أظهرت اللغة العربية كيف يمكن أن تكون أداة للحضور، وللعدالة الرمزية، وللدبلوماسية الرصينة التي تحفظ الحوار حيًا ومفتوحًا لكل التجارب.
العربية، حين تُستبعد من مجالات العلم، أو تُحاصر في الإعلام، أو تُعامل في المؤسسات الدولية كلغة ترجمة ثانوية، تتعرض لشكل ناعم من الإقصاء. هذا الإقصاء لا يُحدث ضجيجًا، لكنه يراكم أثره. يصبح العربي مضطرًا إلى أن يفكر بلغة، ويكتب بأخرى، ويحلم بثالثة، فتتشظى الذات، ويضيع المركز. هنا، لا تعود المسألة مسألة لغة فحسب، بل مسألة صحة ثقافية ونفسية. فالكائن الذي لا يملك لغته في المجال العام، يعيش دائمًا في موقع الدفاع، حتى حين يكون صاحب حق.
غير أن العربية، رغم كل ذلك، لم تكن يومًا لغة استسلام. تاريخها الطويل يشهد على قدرتها على الامتصاص والتحويل. دخلت عليها فلسفات، وعلوم، وأديان، وأعراق، فهضمتها جميعًا، وأعادت صياغتها دون أن تفقد نواتها. هذه المرونة، التي قد تُساء قراءتها بوصفها ضعفًا، هي في الحقيقة مصدر قوة. فهي لغة تعرف كيف تُفاوض المعنى، وكيف تُبقي الباب مواربًا دون أن تتنازل عن البيت. ولذلك، فإن استعادتها دورها في الحوار الدولي ليست مهمة مستحيلة، بل مشروع يحتاج إلى وعي، واستثمار، وإرادة سياسية وثقافية ترى في اللغة رأسمالًا رمزيًا لا يقل قيمة عن الموارد المادية.
في عالم تتزايد فيه النزاعات، وتتعقد فيه القضايا العابرة للحدود، تصبح الحاجة إلى لغات قادرة على بناء التفاهم أكثر إلحاحًا. العربية، بما تحمله من تراث في فقه الاختلاف، ومن خبرة في إدارة التعدد داخل النص الواحد، قادرة على أن تقدم نموذجًا لغويًا لا يقوم على الإلغاء، بل على الاحتواء. ففي نصوصها الكبرى، يتجاور الرأي ونقيضه، ويُترك للقارئ مجال التأمل، لا يُدفع إلى نتيجة قسرية. هذا النفس، إذا ما نُقل إلى الدبلوماسية والخطاب الدولي، يمكن أن يخفف من حدة الاستقطاب، وأن يفتح مساحات جديدة للحوار.
لكن هذا الدور لا يُمنح من الخارج، بل يُنتزع من الداخل. يبدأ من التعليم الذي يعيد للعربية مكانتها كلغة تفكير لا لغة حفظ، ومن الإعلام الذي يتعامل معها بوصفها لغة معاصرة لا متحفًا لغويًا، ومن البحث العلمي الذي يثق بقدرتها على استيعاب المفاهيم الحديثة دون تشويه. وحين تُستعاد هذه الثقة داخليًا، يصبح الدفاع عنها خارجيًا أكثر صدقية. فالعالم لا يعترف بلغة لا يحترمها أهلها، ولا يصغي لخطاب يتبرأ أصحابه من أدواته.
ضمن ميزان العلاقات الدولية، لا تُقاس القوة فقط بعدد الطائرات أو حجم الناتج المحلي، بل بقدرة الدولة على أن تُعرّف نفسها، وأن تسرد قصتها، وأن تشرح مواقفها دون وسيط. اللغة هنا ليست زخرفًا، بل وسيلة سيادية. والعربية، حين تُستخدم في هذا الإطار، لا تُطالب بامتياز خاص، بل بحق طبيعي: أن تكون حاضرة حين يُناقش مستقبل المنطقة التي وُلدت فيها، وحين تُتخذ قرارات تمس شعوبًا تفكر وتحلم وتتألم بها.
وهكذا، تتكشف الثنائية التي يلمح إليها العنوان: "هل تكون العربية ساحة إنصاف أم أداة إقصاء؟".
الجواب ليس ثابتًا، بل رهين بالاستخدام. يمكن للغة أن تتحول إلى أداة إقصاء حين تُغلق على ذاتها، وتُستعمل لفرض هوية واحدة، أو لإقصاء المختلف داخل الجماعة. ويمكن لها، في المقابل، أن تكون ساحة إنصاف حين تُفتح على الحوار، وتُستخدم لتمكين الإنسان من التعبير عن نفسه دون خوف أو وصاية. العربية، بتاريخها وتنوعها، مؤهلة للخيار الثاني، شريطة ألا تُختزل في خطاب واحد، ولا تُربط بسلطة واحدة، ولا تُسجن في صورة نمطية.
برصانة الخطاب، الكرامة المكتوبة بحبر لغوي ليست استعارة شعرية فحسب، بل حقيقة سياسية وثقافية. هي تلك اللحظة التي يشعر فيها المتكلم أن لغته لا تحتاج إلى اعتذار، ولا إلى تبرير، ولا إلى إذن. لحظة يُدرك فيها أن كلماته، حين تُقال بالعربية، لا تقل وزنًا ولا قيمة عن أي كلمات أخرى تُقال على المنصات نفسها. هناك، تستعيد اللغة وظيفتها الأولى: أن تكون بيتًا للمعنى، لا قيدًا عليه.
وفي الختام، ليست الكرامة المكتوبة بحبر لغوي شعارًا يُرفع في يوم واحد، بل ممارسة يومية. تُكتب في المدرسة والجامعة، في الإعلام والقضاء، في البحث العلمي والإبداعي. تُكتب حين نختار أن نفكر بلغتنا دون خوف، وأن نخاطب العالم بثقة، لا بعزلةٍ ولا بذوبان. هناك، فقط هناك، تستعيد اللغة مكانها الطبيعي: جسرًا لا جدارًا، ساحة إنصاف لا أداة إقصاء.
 
* كاتبة وباحثة قانونية وحقوقية- المغرب، سفيرة عالمية للنوايا الحسنة لحقوق الإنسان لدى منظمة FAAVM الكندية.


תגים

שתף את דעתך

كرامةٌ مكتوبةٌ بحبر لغوي.. العربية على طاولة الحوار الدولي: بوصفها ساحة إنصاف أم أداة إقصاء؟

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.