أطلق الكاتب البريطاني البارز جورج مونبيوت تحذيراً شديد اللهجة عبر صحيفة "غارديان"، داعياً القارة الأوروبية إلى ضرورة استقبال المهاجرين وفتح الحدود أمامهم بشكل أوسع. وأشار الكاتب إلى أن الدول الأوروبية تواجه خطراً حقيقياً بالزوال والانقراض نتيجة التدني المستمر والخطير في معدلات المواليد، مما ينذر بانهيار شامل للمجتمعات الغربية إذا لم يتم تدارك الأمر عبر الاعتماد على الهجرة.
وبين مونبيوت بلغة الأرقام والإحصائيات أن معدلات الخصوبة – التي تعني متوسط عدد الأطفال الذين تنجبهم المرأة الواحدة طوال حياتها – قد وصلت إلى مستويات متدنية ومقلقة للغاية في كل من دول الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة. حيث تشير البيانات إلى أن المعدل يبلغ حالياً 1.38 طفل لكل امرأة في الاتحاد الأوروبي، و1.44 طفل في بريطانيا، وهو ما يقل بكثير عن معدل الإحلال السكاني الطبيعي المطلوب للحفاظ على استقرار السكان والبالغ نحو 2.1.
وتطرق الكاتب في تحليله إلى السياسات التي تتبناها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تدعي في استراتيجياتها الأمنية الجديدة أن تدفق المهاجرين يشكل تهديداً وجودياً للحضارة الأوروبية وتدميراً لها، من منطلق رؤية تعتبر أن مفهوم "الحضارة" هو حكر ملكية للعرق الأبيض والثقافة الغربية فقط.
وفي رده المباشر على هذه المزاعم، جادل مونبيوت بأن القارة الأوروبية لن يكتب لها البقاء أصلاً في المستقبل بدون دماء جديدة من المهاجرين، مؤكداً أنه بدون الهجرة لن تكون هناك حضارة متبقية، ولن يوجد بشر ليدافعوا عن هذه الهوية أو يجادلوا حول مستقبلها، مما يجعل الهجرة ضرورة وجودية وليست خياراً ترفيهياً.
واعتبر الكاتب أن السردية التي يروج لها ترامب، والتي تصور "الحضارة البيضاء" كضحية مهددة من قبل الشعوب الملونة والسوداء، هي سردية مغلوطة وعنصرية بامتياز. وأكد في المقابل أن الثقافة الأوروبية والحضارة الغربية في جوهرها هي نتاج تلاقح وتأثيرات غنية قادمة من مختلف بقاع الأرض، وليست نتاجاً منعزلاً كما يصورها اليمين المتطرف.
ورغم إشارة مونبيوت إلى أن التراجع الديموغرافي وانخفاض الخصوبة سيقود حتماً إلى تلاشي المجتمعات واختفائها فعلياً، فقد اعترف بصعوبة معالجة أزمة انخفاض المواليد بالطرق التقليدية، عازياً ذلك إلى مفارقة تتمثل في أن زيادة الرفاهية والفرص الاقتصادية ترافقها عادة رغبة أقل في الإنجاب وتراجع في معدلات المواليد.
أوروبا لن تكون موجودة بدون الهجرة، ولن تكون هناك حضارة، ولن يبقى أحد ليجادل بشأنها.
وخلص الكاتب إلى نتيجة مفادها أن الهجرة تمثل الحل الوحيد المستدام لضمان الاستقرار السكاني، ومنع انهيار المنظومات الاجتماعية والاقتصادية القائمة في الغرب، حيث لا يمكن تعويض النقص السكاني إلا عبر الوافدين الجدد.
كما فند الكاتب الأصوات التي تربط بين الحفاظ على البيئة وضرورة تقليص عدد السكان، موضحاً أن الكثافة السكانية الحالية هي نتاج طفرة المواليد التي حدثت في منتصف القرن الماضي (فترات الخمسينيات والستينيات)، وليست ناتجة عن معدلات الإنجاب الحالية المنخفضة، مما يجعل دعوات تقليل السكان غير مجدية في هذا السياق.
ويرى مونبيوت أن محاولات ضبط أو خفض عدد السكان ليست هي الحل المطلوب، مشيراً إلى حقيقة ديموغرافية مفادها أن معدلات المواليد تنخفض بشكل تلقائي مع تحسن الأوضاع الاقتصادية، وانتشار التعليم، وتوسع فرص العمل أمام الجميع.
وحذر من أن المجتمعات الأوروبية، في حال إغلاق أبوابها أمام الهجرة، ستصطدم بتحديات وجودية هائلة خلال الأجيال القادمة، أبرزها العجز الحاد في القوى العاملة ونقص الكوادر في قطاعات حيوية كالرعاية الصحية، مما سيجعل استقطاب المهاجرين في النهاية ضرورة قصوى للحفاظ على تماسك الدولة واستقرارها الاقتصادي.
واختتم مونبيوت مقاله بالتأكيد على أن الرؤية الأمنية لترامب، المستندة إلى أفكار يمينية متطرفة وعنصرية، هي رؤية خاطئة تماماً وبعيدة عن الواقع. وشدد على أن الخيار الوحيد والملح أمام أوروبا لتجنب الانهيار الديموغرافي هو تعزيز التعددية وقبول الآخر وفتح الأبواب، وإلا فإن الحضارة بصورتها الحالية ستواجه الانقراض.





שתף את דעתך
كاتب بريطاني يحذر: أوروبا مهددة بالانقراض ديموغرافياً والهجرة هي طوق النجاة الوحيد