واشنطن – سعيد عريقات
تحليل إخباري
منذ منتصف تشرين الأول الماضي، يعمل نحو 200 جندي أميركي داخل مستودع لوجستي واسع في جنوب إسرائيل، على مسافة تقل عن 20 كيلومترًا من شمال قطاع غزة. هذا الوجود العسكري، الذي يجري بعيدًا عن أي إعلان رسمي أو تفويض علني، يندرج ضمن ما يُعرف بـ"مركز التنسيق المدني–العسكري" (CMCC)، وهو كيان أُنشئ بذريعة تنفيذ "خطة السلام" التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب. غير أن تتبع طبيعة عمل هذا المركز، والجهات المنخرطة فيه، يكشف أنه يشكّل نواة مشروع أمني جديد لغزة، يقوم على المراقبة المكثفة وإدارة السكان، لا على إنهاء الاحتلال أو تمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم.
وتُقدَّم خطة ترمب، المؤلفة من عشرين بندًا، على أنها خارطة طريق لنزع سلاح حركة حماس، وإعادة إعمار غزة، وتهيئة الظروف لإقامة كيان فلسطيني. وقد حظيت الخطة مؤخرًا بتأييد مجلس الأمن الدولي، رغم غياب أي تمثيل فلسطيني فعلي في صياغتها. لكن ما يجري خلف الكواليس في CMCC يشير إلى أن جوهر الخطة ليس سياسيًا بقدر ما هو أمني–تقني، تُسند فيه أدوار مركزية لشركات تكنولوجيا أميركية متخصصة في المراقبة والتحليل العسكري.
وبحسب وثائق وعروض تقديمية اطّلع عليها موقع "ريسبونسيبل ستيتكرافت"، كان ممثل ميداني لمنصة "مافن Maven" حاضرًا في مركز CMCC. وتُعد مافن Maven منصة ذكاء اصطناعي طورتها شركة بالانتير الأميركية، ومهمتها جمع وتحليل كميات هائلة من بيانات المراقبة المستخرجة من الأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة، واعتراض الاتصالات، ومصادر الإنترنت، ثم دمجها في واجهة واحدة تتيح للقادة العسكريين اتخاذ قرارات فورية، بما في ذلك تنفيذ الضربات الجوية.
ويصف الجيش الأميركي Maven بأنها "منصة ساحة معركة مدعومة بالذكاء الاصطناعي"، وقد استُخدمت سابقًا في توجيه ضربات في اليمن وسوريا والعراق. وتسوق بالانتير تقنيتها على أنها تختصر الزمن بين تحديد الهدف وتنفيذه، في ما يُعرف عسكريًا بـ"سلسلة القتل". وقد تُرجم هذا التوجه إلى عقد ضخم بقيمة 10 مليارات دولار حصلت عليه الشركة لتحديث النظام لصالح القوات المسلحة الأميركية.
يشار إلى أن العلاقة بين بالانتير وإسرائيل ليست طارئة. فمنذ كانون الثاني 2024، دخل الطرفان في "شراكة إستراتيجية" مرتبطة مباشرة بالعمليات الحربية، بالتوازي مع توسع نشاط الشركة في تل أبيب. وفي مواجهة الانتقادات المتزايدة بشأن استخدام تقنياتها في سياق اتهامات بارتكاب جرائم حرب، دافع المدير التنفيذي للشركة، أليكس كارب، علنًا عن هذا التعاون، مؤكدًا أن شركته لا تخضع لما وصفه بالقيود الأخلاقية والسياسية السائدة في الخطاب الغربي.
إلى جانب بالانتير، يظهر اسم شركة أميركية أخرى في خطط ما بعد الحرب: "داتامينر Dataminer " " وهي شركة متخصصة في تحليل البيانات المفتوحة ومراقبة منصات التواصل الاجتماعي. وتعتمد داتامينر على علاقات وثيقة مع شركات التكنولوجيا الكبرى لاستخلاص "معلومات استخباراتية فورية" عن الأفراد والجماعات. وقد بدأت نشاطها بتوفير أدوات مراقبة لمكتب التحقيقات الفيدرالي، قبل أن تتوسع لتشمل الجيش الأميركي وأجهزة إنفاذ القانون.
واستُخدمت تقنيات داتامينر خلال العقد الماضي، لمراقبة احتجاجات داخل الولايات المتحدة، من حركة "حياة السود مهمة" إلى النشطاء المناهضين لإلغاء حق الإجهاض، وصولًا إلى رصد الخطاب المؤيد للفلسطينيين والمتظاهرين المطالبين بوقف إطلاق النار في غزة. ويشير إدراج الشركة ضمن منظومة CMCC إلى أن الرقابة الرقمية ستكون عنصرًا أساسيًا في إدارة غزة المستقبلية.
ورغم الحديث عن "وقف إطلاق النار"، لا تعكس الوقائع الميدانية أي تحوّل جوهري. فمنذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول ، قُتل أكثر من 340 فلسطينيًا، بحسب وزارة الصحة في غزة، بنيران أو غارات إسرائيلية. ويؤكد عاملون في القطاع الصحي أن القصف لم يتوقف فعليًا، ما يثير تساؤلات حول معنى «الاستقرار» الذي تتحدث عنه الخطة الأميركية.
وتنص الخطة على إنشاء "قوة استقرار دولية" بإشراف واشنطن، يُتوقع أن تعتمد على تقنيات Maven وDataminr، بما يمنحها قدرات مراقبة واستهداف مماثلة لتلك التي تمتلكها إسرائيل. وبالنظر إلى التاريخ الطويل لتبادل المعلومات الاستخباراتية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، يبدو من غير الواقعي افتراض أن البيانات التي ستُجمع في غزة ستبقى تحت سيطرة أميركية حصرية.
والأكثر إثارة للقلق هو ما تتضمنه الخطة من أفكار حول إعادة تجميع السكان الفلسطينيين داخل "مجتمعات آمنة" خاضعة لرقابة مشددة، تُحدَّد فيها حرية الحركة والإقامة بناءً على معايير أمنية فضفاضة. في هذا السياق، سبق لإسرائيل أن استخدمت أنظمة ذكاء اصطناعي مثل "لافندر" لتصنيف الفلسطينيين وفق احتمالات ارتباطهم بحماس، وهو نموذج يهدد بتحويل الانتماء الاجتماعي أو الوظيفي إلى سبب دائم للاشتباه والعقاب.
وما يتشكل اليوم في غزة لا يشير إلى نهاية الاحتلال، بل إلى إعادة صياغته. فبدل السيطرة العسكرية المباشرة، يجري الانتقال إلى نموذج قائم على المراقبة الدائمة، وتحليل البيانات، وإدارة السكان عبر الخوارزميات. هذا النموذج يخدم مصالح متداخلة: إسرائيل التي تسعى إلى تقليص كلفة الاحتلال المباشر مع الحفاظ على السيطرة، والولايات المتحدة التي تعزز نفوذها الأمني، وشركات التكنولوجيا التي تجد في غزة مختبرًا حيًا لتطوير وتسويق أدواتها.
كما يعتقد الخبراء أن في هذا "السلام" الجديد، لا تُقاس السيادة بالحدود أو المؤسسات، بل بمن يملك البيانات، ومن يراقب، ومن يقرر. أما الفلسطينيون، فيبقون في قلب معادلة تُدار عن بُعد، حيث تُستبدل السياسة بالتكنولوجيا، وتُقدَّم المراقبة بوصفها حلًا، فيما يبقى جوهر الصراع بلا حل.





שתף את דעתך
سلامٌ تحت المراقبة: كيف تُعيد واشنطن هندسة السيطرة على غزة عبر الذكاء الاصطناعي